فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 149

الإرضاع على من وجبت عليه نفقة الحامل، ومعلوم أن أجر الإرضاع يجب على الأب لكونه أبا، فكذلك نفقة الحامل؛ ولأن نفقة الحامل ورزقها وكسوتها بالمعروف، وقد جعل أجر المرضعة كذلك؛ ولأنه قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] ، أي وارث الطفل، فأوجب عليه ما يجب على الأب، وهذا كله يبين أن نفقة الحمل والرضاع من باب نفقة الأب على ابنه، لا من باب نفقة الزوج على زوجته.

وعلى هذا، فلو لم تكن زوجة بل كانت حاملا بوطء شبهة يلحقه نسبه أو كانت حاملا منه وقد أعتقها وجب عليه نفقة الحمل،؛ كما يجب عليه نفقة الإرضاع، ولو كان الحمل لغيره، كمن وطئ أمة غيره. بنكاح أو شبهة أو إرث فالولد هنا لسيد الأمة، فليس على الواطئ شيء وإن كان زوجا، ولو تزوج عبد حرة فحملت منه فالنسب ها هنا لاحق، لكن الولد حر. والولد الحر لا تجب نفقته على أبيه العبد، ولا أجرة رضاعه، فإن العبد ليس له مال ينفق منه على ولده، وسيده لا حق له في ولده، فإن ولده إما حر، وإما مملوك لسيد الأمة. نعم، لو كانت الحامل أمة والولد حر مثل المغرور الذي اشترى أمة فظهر أنها مستحقة لغير البائع، أو تزوج حرة فظهر أنها /أمة، فهنا الولد حر، وإن كانت أمة مملوكة لغير الواطئ، لأنه إنما وطئ من يعتقدها مملوكة له أو زوجة حرة، وبهذا قضت الصحابة لسيد الأمة بشراء الولد وهو نظيره فهنا الآن ينفق على الحامل كما ينفق على المرضعة له. والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.

وقال ابن تيمية رحمه الله:

وسئل ـ رحمه الله تعالى ـ عما يجب على من وطئ زوجته في دبرها؟ وهل أباحه أحد من العلماء؟

فأجاب:

الحمد لله رب العالمين، [الوطء في الدبر] حرام في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك عامة أئمة المسلمين، من الصحابة، والتابعين، وغيرهم ـ فإن الله قال في كتابه: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ، وقد ثبت في الصحيح: إن اليهود كانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . والحرث: موضع الزرع، والولد إنما يزرع في الفرج؛ لا في الدبر {فَاتُوا حَرْثَكُمْ} ـ وهو موضع الولد ـ {أَنَّى شِئْتُمْ} أي: من أين شئتم: من قبلها، ومن دبرها، وعن يمينها، وعن شمالها. فالله تعالى سمى النساء حرثًا، وإنما رخص في إتيان الحروث، والحرث إنما يكون /في الفرج. وقد جاء في غير أثر: أن الوطء في الدبر هو اللوطية الصغرى، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في حشوشهن) والحش هو الدبر، وهو موضع القذر والله ـ سبحانه ـ حرم إتيان الحائض، مع أن النجاسة عارضة في فرجها، فكيف بالموضع الذي تكون فيه النجاسة المغلظة؟!

وأيضًا، فهذا من جنس اللواط، ومذهب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي وأحمد وأصحابه أن ذلك حرام لا نزاع بينهم، وهذا هو الظاهر من مذهب مالك وأصحابه، لكن حكى بعض الناس عنهم رواية أخرى بخلاف ذلك، ومنهم من أنكر هذه الرواية وطعن فيها.

وأصل ذلك ما نقل عن نافع أنه نقله عن ابن عمر، وقد كان سالم بن عبد الله يكذب نافعًا في ذلك. فأما أن يكون نافع غلط، أو غلط من هو فوقه. فإذا غلط بعض الناس غلطة لم يكن هذا مما يسوغ خلاف الكتاب والسنة كما أن طائفة غلطوا في إباحة الدرهم بالدرهمين، واتفق الأئمة على تحريم ذلك لما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة، وكذلك طائفة غلطوا في أنواع من الأشربة. ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) ، وأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت