عند قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} في سورة الأنفال (24) . وقد رتبت الجمل الثلاث الأول على عكس ترتيب حصول مضامينها في الخارج؛ فإن الظاهر أن يكون الإعلام بملاقاة الله هو الحاصل أولًا ثم يعقبه الأمر بالتقوى ثم الأمر بأن يقدموا لأنفسهم، فخولف الظاهر للمبادرة بالأمر بالاستعداد ليوم الجزاء، وأعقب بالأمر بالتقوى إشعارًا بأنها هي الاستعداد ثم ذكِّروا بأنهم ملاقو الله فجاء ذلك بمنزلة التعليل. وقوله: وبشر المؤمنين تعقيب للتحذير بالبشارة، والمراد: المؤمنون الكاملون وهم الذين يسرون بلقاء الله كما جاء: [من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه] وذِكر هذه البشارة عقب ما تقدم إشارة إلى أن امتثال الأحكام المتقدمة من كمال الإيمان، وجملة: {وبشر المؤمنين} ، معطوفة على جملة: {واعلموا أنكم ملاقوه} ، على الأظهر من جعل جملة: {نساؤكم حرث لكم} ، استئنافًا غير معمولة لقل هو أذى، وإذا جعلت جملة {نساؤكم} من معمول القول كانت جملة {قل هو أذى} (البقرة: 222) معطوفة على جملة: {قُلْ هُوَ أَذًى} ؛ إذ لا يصح وقوعها مقولا للقول كما اختاره التفتازاني.
(نساؤكم حرث لكم (أخرج البخاري وجماعة عن جابر قال: كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل أمرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول فنزلت والحرث إلقاء البذر في الأرض وهو غير الزرع لأنه إنباته يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:(أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) وقال الجوهري: الحرث الزرع والحارث الزارع وعلى كل تقدير هو خبر عما قبله إما بحذف المضاف أي مواضع حرث أو التجوز والتشبيه البليغ أي كمواضع ذلك وتشبيههن بتلك المواضع متفرع على تشبيه النطف بالبذور من حيث إن كلا منهما مادة لما يحصل منه ولا يحسن بدونه فهو تشبيه يكنى به عن تشبيه آخر (فأتوا حرثكم أي ما هو كالحرث ففيه إستعارة تصريحية ويحتمل أن يبقى الحرث على حقيقته والكلام تمثيل شبه حال إتيانهم النساء في المأتي بحال إتيانهم المحارث في عدم الإختصاص بجهة دون جهة ثم أطلق لفظ المشبه به على المشبه والأول أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههن بالحرث تشبيها بليغا وهذه الجملة مبينة لقوله تعالى(فأتوهن من حيث أمركم الله) لما فيه من الإجمال من حيث المتعلق والفاء جزائية وما قبلها علة لما بعدها وقدم عليه إهتماما بشأن العلة وليحصل الحكم معلالا فيكون أوقع ويحتمل أن يكون المجموع كالبيان لما تقدم والفاء للعطف وعطف الإنشاء على الإخبار جائز بعاطف سوى الواو (أنى شئتم (قال قتادة والربيع من أين(شئتم) وقال مجاهد: كيف شئتم وقال الضحاك: متى شئتم ومجيء (أنى) بمعناين وكيف ومتى مما أثبته الجم الغفير وتلزمها على الأولمن ظاهرة أو مقدرة وهي شرطية حذف جوابها لدلالة الجملة السابقة عليه وأختار بعض المحققين كونها هنا بمعزل بمعنى من أين أي من أي جهة ليدخل فيه بيان النزول والقول بأن الآية حينئذ تكون دليلا على جواز الإتيان من الإدبار ناشيء من عدم التدبر في أنمنلازمة إذ ذاك فيصير المعنى من أي مكان لا في أي مكان فيجوز أن يكون المستفاد حينئذ تعميم الجهات من القدام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال لا تعميم مواضع الإتيان فلا دليل في الآية لمن جوز إتيان المرأة في دبرها كإبن عمر والأخبار عنه في ذلك صحيحة مشهورة والروايات عنه بخلافها على خلافها وكإبن أبي مليكة وعبدالله بن القاسم حتى قال فيما أخرجه الطحاوي عنه: ما أدركت أحدا أفتدى به في ديني يشك في أنه حلال وكمالك بن أنس حتى أخرج الخطيب عن أبي سليمان الجوزجاني أنه سأله عن ذلك فقال له: