لم يذكر مثل هذا، إذ لم يكن المسلمون يفعلون مثل هذا، لا يرضي لنفسه أحد أن يبيع أمته الحامل منه، بل لا يبيعها إذا وطئها حتى يستبرئها، فلا يحتاج المشتري إلى استبراء ثان.
ولهذا لم ينه عن وطء الحبالى من السادات إذا ملكت ببيع أو هبة؛ لأن هذا لم يكن يقع، بل هذه دخلت في نهيه صلى الله عليه وسلم: أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره.
وقوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] ، وقال تعالى في تلك الآية: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] ، يدل على أن هذا الأجر هو رزقهن وكسوتهن بالمعروف إذا لم يكن بينهما مسمي /ترجعان إليه. وأجرة المثل إنما تقدر بالمسمى إذا كان هناك مسمي يرجعان إليه، كما في البيع والإجارة لما كان السلعة هي أو مثلها بثمن مسمي وجب ثمن المثل إذا أخذت بغير اختياره، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق العبد) . فهناك أقيم العبد؛ لأنه ومثله يباع في السوق، فتعرف القيمة التي هي السعر في ذلك الوقت، وكذلك الأجير والصانع كما نهي النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لعلي أن يعطي الجازر من البدن شيئا، وقال: (نحن نعطيه من عندنا) . فإن الذبح وقسمة اللحم على المهدي، فعليه أجرة الجازر الذي فعل ذلك، وهو يستحق نظير ما يستحقه مثله إذا عمل ذلك؛ لأن الجزارة معروفة، ولها عادة معروفة. وكذلك سائر الصناعات ـ كالحياكة، والخياطة، والبناء ـ وقد كان من الناس من يخيط بالأجرة على عهده فيستحق هذا الخياط ما يستحقه نظراؤه، وكذلك أجير الخدمة يستحق ما يستحقه نظيره؛ لأن ذلك عادة معروفة عند الناس.
وأما الأم المرضعة فهي نظير سائر الأمهات المرضعات بعد الطلاق وليس لهن عادة مقدرة إلا اعتبار حال الرضاع بما ذكر، وهي إذا كانت حاملا منه وهي مطلقة استحقت نفقتها وكسوتها بالمعروف، وهي في الحقيقة نفقة على الحمل. وهذا أظهر قولي العلماء، كما قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عليهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] .
/وللعلماء هنا ثلاثة أقوال:
أحدها: أن هذه النفقة نفقة زوجة معتدة، ولا فرق بين أن تكون حاملا أو حائلا. وهذا قول من يوجب النفقة للبائن كما يوجبها للرجعية، كقول طائفة من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، ويروي عن عمر وابن مسعود، ولكن على هذا القول ليس لكونها حاملا تأثير فإنهم ينفقون عليها حتى تنقضي العدة، سواء كانت حاملا أو حائلا.
القول الثاني: أنه ينفق عليها نفقة زوجة، لأجل الحمل ـ كأحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد ـ وهذا قول متناقض؛ فإنه إن كان نفقة زوجة فقد وجب لكونها زوجة، لا لأجل الولد. وإن كان لأجل الولد فنفقة الولد تجب مع غير الزوجة، كما يجب عليه أن ينفق على سريته الحامل إذا أعتقها. وهؤلاء يقولون: هل وجبت النفقة للحمل أولها من أجل الحمل؟ على قولين. فإن أرادوا لها من أجل الحمل، أي: لهذه الحامل من أجل حملها فلا فرق. وإن أرادو ـ وهو مرادهم ـ أنه يجب لها نفقة زوجة من أجل الحمل، فهذا تناقض، فإن نفقة الزوجة تجب وإن لم يكن حمل. ونفقة الحمل تجب وإن لم تكن زوجة.
والقول الثالث ـ وهو الصحيح: أن النفقة تجب للحمل، ولها من أجل الحمل؛ لكونها حاملا بولده، فهي نفقة عليه؛ لكونه أباه، /لا عليها لكونها زوجة. وهذا قول مالك، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، والقرآن يدل على هذا، فإنه قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عليهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 6] ، ثم قال تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] ، وقال هنا: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] ، فجعل أجر