فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 149

[النور: 61] ، وإذا كان الأب هو المنفق عليه جنينا ورضيعا، والمرأة وعاء، فالولد زرع للأب قال تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] ، فالمرأة هي الأرض المزروعة، والزرع فيها للأب، وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الرجل ماءه /زرع غيره، يريد به النهي عن وطء الحبالى، فإن ماء الوطئ يزيد في الحمل كما يزيد الماء في الزرع، وفي الحديث الآخر الصحيح: (لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، وكيف يستعبده وهو لا يحل له؟) ، وإذا كان الولد للأب وهو زرعه كان هذا مطابقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) ، فقد حصل الولد من كسبه، كما دلت عليه هذه الآية؛ فإن الزرع الذي في الأرض كسب الزارع له الذي بذره وسقاه وأعطي أجرة الأرض، فإن الرجل أعطي المرأة مهرها، وهو أجر الوطء كما قال تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عليكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الممتحنة: 10] ، وهو مطابق لقوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 2] ، وقد فسر {مَا كَسَبَ} بالولد، فالأم هي الحرث وهي الأرض التي فيها زرع، والأب استأجرها بالمهر كما يستأجر الأرض، وأنفق على الزرع بإنفاقه لما كانت حاملا، ثم أنفق على الرضيع، كما ينفق المستأجر على الزرع والثمر إذا كان مستورا وإذا برز، فالزرع هو الولد، وهو من كسبه.

وهذا يدل على أن للأب أن يأخذ من ماله ما لا يضر به، كما جاءت به السنة، وأن ماله للأب مباح، وإن كان ملكا للابن، فهو مباح للأب أن يملكه وإلا بقي للابن، فإذا مات ولم يتملكه ورث من الابن. وللأب ـ أيضًا ـ أن يستخدم الولد ما لم يضر به. وفي هذا وجوب طاعة الأب على الابن إذا كان العمل مباحا لا يضر بالابن؛ فإنه لو استخدم عبده في معصية أو اعتدي عليه لم يجز فالابن أولي. /ونفع الابن له إذا لم يأخذه الأب، بخلاف نفع المملوك فإنه لمالكه، كما أن ماله لو مات لمالكه لا لوارثه.

ودل ما ذكره على أنه لا يجوز للرجل أن يطأ حاملا من غيره، وأنه إذا وطئها كان كسقي الزرع يزيد فيه وينميه ويبقي له شركة في الولد، فيحرم عليه استعباد هذا الولد، فلو ملك أمة حاملا من غيره ووطئها حرم استعباد هذا الولد؛ لأنه سقاه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (كيف يستعبده وهو لا يحل له؟) . (وكيف يورثه) أي: يجعله موروثا منه (وهو لا يحل له؟) ومن ظن أن المراد: كيف يجعله وارثا، فقد غلط؛ لأن تلك المرأة كانت أمة للواطئ، والعبد لا يجعل وارثًا، إنما يجعل موروثًا. فأما إذا استبرئت المرأة علم أنه لا زرع هناك. ولو كانت بكرًا أو عند من لا يطؤها ففيه نزاع. والأظهر جواز الوطء؛ لأنه لا زرع هناك، وظهور براءة الرحم هنا أقوي من براءتها من الاستبراء بحيضة؛ فإن الحامل قد يخرج منها من الدم مثل دم الحيض، وإن كان نادرا. وقد تنازع العلماء هل هو حيض أو لا؟ فالاستبراء ليس دليلا قاطعا على براءة الرحم، بل دليل ظاهر. والبكارة وكونها كانت مملوكة لصبي أو امرأة أدل على البراءة. وإن كان البائع صادقا أو أخبره أنه استبرأها حصل المقصود، واستبراء الصغيرة التي لم تحض والعجوز والآيسة في غاية البعد.

/ولهذا اضطرب القائلون هل تستبرأ بشهر، أو شهر ونصف، أو شهرين، أو ثلاثة أشهر؟ وكلها أقوال ضعيفة. وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لم يكن يستبرئ البكر، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالاستبراء إلا في المسبيات، كما قال في سبايا أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تستبرأ بحيضة) ، لم يأمر كل من ورث أمة أو اشتراها أن يستبرئها مع وجود ذلك في زمنه، فعلم أنه أمر بالاستبراء عن الجهل بالحال، لإمكان أن تكون حاملا. وكذلك من ملكت وكان سيدها يطؤها ولم يستبرئها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت