وظاهر القرآن يدل على أن على الأم إرضاعه؛ لأن قوله: {يُرْضِعْنَ} خبر في معنى الأمر. وهي مسألة نزاع، ولهذا تأولها من ذهب إلى القول الآخر. قال القاضي أبو يعلي: وهذا الأمر انصرف إلى الآباء؛ لأن عليهم الاسترضاع لا على الوالدات، بدليل قوله: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233] ، وقوله: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] ، فلو كان متحتمًا على الوالدة لم يكن عليه الأجرة.
فيقال: بل القرآن دل على أن للابن على الأم الفعل، وعلى الأب النفقة ولو لم يوجد غيرها تعين عليها، وهي تستحق الأجرة، والأجنبية تستحق الأجرة ولو لم يوجد غيرها.
وقوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] ، دليل على أنه يجوز أن يريد إتمام الرضاع ويجوز الفطام قبل ذلك إذا كان مصلحة، وقد بين ذلك بقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عليهِمَا} [البقرة: 233] ، وذلك يدل على أنه لا يفصل إلا برضا الأبوين، فلو أراد أحدهما الإتمام والآخر الفصال قبل ذلك، كان الأمر لمن أراد الإتمام، لأنه قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233] ، وقوله تعالى: {يُرْضِعْنَ} صيغة خبر، ومعناه: الأمر والتقدير، والوالدة مأمورة بإرضاعه حولين كاملين إذا أريد إتمام الرضاعة، فإذا أرادت الإتمام كانت مأمورة بذلك، وكان على الأب رزقها وكسوتها، وإن أراد الأب الإتمام كان له ذلك، فإنه لم يبح الفصال إلا بتراضيهما جميعًا، يدل على ذلك قوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ، ولفظه {من} إما أن يقال: هو عام يتناول هذا وهذا ويدخل فيه الذكر والأنثي، فمن أراد الإتمام أرضعن له. وإما أن يقال: قوله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ، إنما هو المولود له وهو المرضع له، فالأم تلد له وترضع له، كما قال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} [الطلاق: 6] . والأم كالأجير مع المستأجر، فإن أراد الأب الإتمام أرضعن له، وإن أراد ألا يتم فله ذلك وعلى هذا التقدير فمنطوق الآية أمرهن بإرضاعه عند إرادة الأب، ومفهومها ـ أيضًا ـ جواز الفصل بتراضيهما. يبقى إذا أرادت الأم دون الأب مسكوتًا عنه، لكن مفهوم قوله تعالى: {عَن تَرَاضٍ} أنه لا يجوز، كما ذكر ذلك مجاهد وغيره، ولكن تناوله قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] ، فإنها إذا أرضعت تمام الحول فله أرضعت، وكفته بذلك مؤنة الطفل، فلولا رضاعها لاحتاج إلى أن يطعمه شيئا آخر.
/ففي هذه الآية بين أن على الأم الإتمام إذا أراد الأب، وفي تلك بين أن على الأب الأجر إذا أبت المرأة، قال مجاهد: [التشاور] فيما دون الحولين: إن أرادت أن تفطم وأبي فليس لها، وإن أراد هو ولم ترد فليس له ذلك حتى يقع ذلك عن تراض منهما وتشاور، يقول: غير مسيئين إلى أنفسهما ولا رضيعهما.
وقوله تعالى: {إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] ، قال: إذا أسلمتم أيها الآباء إلى أمهات الأولاد أجر ما أرضعن قبل امتناعهن، روي عن مجاهد والسدي وقيل: إذا أسلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف، روي عن سعيد بن جبير ومقاتل، وقرأ ابن كثير [أتيتم] بالقصر. وقوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] ، ولم يقل: وعلى الوالد كما قال: {وَالْوَالِدَاتُ} ؛ لأن المرأة هي التي تلده، وأما الأب فلم يلده، بل هو مولود له لكن إذا قرن بينهما قيل: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36] . فأما مع الإفراد فليس في القرآن تسميته والدًا، بل أبا. وفيه بيان أن الولد ولد للأب، لا للأم؛ ولهذا كان عليه نفقته حملا وأجرة رضاعه. وهذا يوافق قوله تعالى: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ} [الشوري: 49] ، فجعله موهوبا للأب. وجعل بيته بيته في قوله: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَاكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ}