فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 149

وقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} يدل على أن هذا تمام الرضاعة، وما بعد ذلك فهو غذاء من الأغذية. وبهذا يستدل من يقول: الرضاع بعد الحولين بمنزلة رضاع الكبير. وقوله: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} يدل على أن لفظ الحولين يقع على حول وبعض آخر. وهذا معروف في كلامهم، يقال: لفلان عشرون عاما إذا أكمل ذلك. قال الفرَّاء والزَّجّاج وغيرهما: لما جاز أن يقول حولين ويريد أقل منهما كما قال تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203] ومعلوم أنه/ يتعجل في يوم وبعض آخر، وتقول: لم أر فلانا يومين. وإنما تريد يوما وبعض آخر، قال: [كاملين] ليبين أنه لا يجوز أن ينقص منهما، وهذا بمنزلة قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] ، فإن لفظ [العشرة] يقع على تسعة وبعض العاشر، فيقال: أقمت عشرة أيام، وإن لم يكملها، فقوله هناك [كاملة] بمنزلة قوله هنا [كاملين] وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفورا طيبة به نفسه أحد المتصدقين) ، فالكامل الذي لم ينقص منه شيء، إذ الكمال ضد النقصان. وأما [الموفر] فقد قال: أجرهم موفرًا، يقال: الموفر للزائد، ويقال: لم يكلم. أي يجرح، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في كتاب [الزهد] عن وهب بن منبه: أن الله ـ تعالى ـ قال لموسى: (وماذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى سالما موفرًا، لم تكلمه الدنيا ولم تكلمه نطعة الهوى) . وكان هذا تغيير الصفة، وذاك نقصان القدر.

وذكر أبو الفرج: هل هو عام في جميع الوالدات أو يختص بالمطلقات؟ على قولين. والخصوص قول سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل، في آخرين. والعموم قول أبي سليمان الدمشقي والقاضي أبي يعلي في آخرين.

قال القاضي: ولهذا نقول: لها أن تؤجر نفسها لرضاع ولدها، سواء كانت مع الزوج، أو مطلقة. قلت: الآية حجة عليهم، فإنها أوجبت للمرضعات رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا زيادة على ذلك. وهو يقول: تؤجر نفسها /بأجرة غير النفقة. والآية لا تدل على هذا، بل إذا كانت الآية عامة دلت على أنها ترضع ولدها مع إنفاق الزوج عليها، كما لو كانت حاملا فإنه ينفق عليها وتدخل نفقة الولد في نفقة الزوجية؛ لأن الولد يتغذي بغذاء أمه. وكذلك في حال الرضاع فإن نفقة الحمل هي نفقة المرتضع. وعلى هذا فلا منافاة بين القولين، فالذين خصوه بالمطلقات أوجبوا نفقة جديدة بسبب الرضاع، كما ذكر في سورة الطلاق وهذا مختص بالمطلقة.

وقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] ، قد علم أن مبدأ الحول من حين الولادة والكمال إلى نظير ذلك. فإذا كان من عاشر المحرم كان الكمال في عاشر المحرم في مثل تلك الساعة، فإن الحول المطلق هو اثنا عشر شهرا من الشهر الهلالي، كما قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ} [التوبة: 36] ، وهكذا ما ذكره من العدة أربعة أشهر وعشرا، أولها من حين الموت وآخرها إذا مضت عشر بعد نظيره، فإذا كان في منتصف المحرم فآخرها خامس عشر المحرم، وكذلك الأجل المسمي في البيوع وسائر ما يؤجل بالشرع وبالشرط.

وللفقهاء هنا قولان آخران ضعيفان:

أحدهما: قول من يقول: إذا كان في أثناء الشهر، كان جميع الشهور بالعدد، فيكون الحولان ثلثمائة وستين. وعلى هذا القول تزيد المدة اثني عشر يوما، وهو غلط بين.

/والقول الثاني: قول من يقول: منها واحد بالعدد، وسائرها بالأهلة. وهذا أقرب، لكن فيه غلط، فإنه على هذا إذا كان المبدأ عاشر المحرم وقد نقص المحرم كان تمامه تاسعه، فيكون التكميل أحد عشر، فيكون المنتهي حادي عشر المحرم، وهو غلط أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت