(د) وأما القول: إن استثمار أموال الزكاة مناف لمبدأ التمليك الذي اشترطه جمهور الفقهاء، فيجاب عنه بأن اشتراط التمليك محل نظر، فقد ذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراطه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولذا أجاز كثير من العلماء صرف الزكاة بدون تمليك فردي في كثير من الصور، كصرف الزكاة في شراء العبيد وعتقهم، وصرف الزكاة لأبناء السبيل بدون تمليك فردي للمستحق.
وعلى فرض اشتراط التمليك فإن التمليك حاصل في إنشاء المشاريع الاستثمارية، وهي التمليك الجماعي للمستحقين، أو لبيت المال أو بيت الزكاة، وقد اعتبر الفقهاء بيت المال شخصية اعتبارية أو حكمية تملك وتملك. (96) .
(هـ) وأما القول: أن يد الأمام على الزكاة يد أمانة لا تصرف واستثمار، فيجاب عنه بأنه غير مسلم، فقد أجاز الفقهاء التصرف في مال الزكاة لضرورة أو حاجة، ولذا أجاز المالكية والشافعية والحنابلة بيع الزكاة للضرورة، فقال الخرشي:"إذا قلنا بنقل الزكاة إلى البلد المحتاج واحتاجت إلى كراء يكون من الفيء .. فإن لم يكن في فيء أو كان ولا أمكن نقلها .. فإنها تباع في بلد الوجوب، ويشتري بثمنها مثلها في الموضع الذي تنقل إليها إن كان خيرًا (97) . وقال النووي:"لا يجوز للإمام والساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة، فإن وقعت الضرورة بأن يقف عليه بعض الماشية أو خاف هلاكه، أو كان في الطريق خطر، أو احتاج إلى رد جبران أو إلى مؤونة النقل، أو قبض بعض شاه وما أشبه جاز البيع ضرورة (98) .
وقال ابن قدامة:"إذا أخذها الساعي فاحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفة نقلها ونحوها فله ذلك لما روي قيس بن أبي حازم أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء (99) فسأل عنها فقال المصدق: إني ارتجعتها بإبل (100) فالرجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها"