فهذه المسألة لا اختلاف بين أئمة المذاهب الأربعة في صحتها ولكن الاختلاف بينهم في عكسها وهي ائتمام المفترض بالمتنفل والتي هي موضوع هذا البحث.
فقد اختلف الأئمة فيها على قولين:
القول الأول المنع. والقول الثاني الجواز.
فأما القول الأول وهو المنع فهو مذهب الحنفية [1] والمالكية [2] و رواية عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وعليها أكثر أصحابه بل هي المذهب عندهم [3] . وبذلك قال سعيد بن المسيب والحسن البصري في رواية عنه والزهري وربيعة وغيرهم [4] .
وقد استدل هؤلاء على قولهم بالأحاديث والقياس والعقل فمن الأحاديث:
1 -حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) [5] .
2 -حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا ... الحديث) [6] . قالوا: يجب على المأموم الائتمام بالإمام في كل شيء من الصلاة ولا يجوز له الاختلاف عليه.
وائتمام المفترض بالمتنفل من الاختلاف عليه لاختلاف النية بينهما، فالمأموم يأتم بالإمام بنية الفرض والإمام يؤم المأموم بنية النفل، ومن كان كذلك فقد اختلف على إمامه ولم يأتم به ومن اختلف على إمامه ولم يأتم به فصلاته غير صحيح، لأن هذا من أعظم الاختلاف على الإمام وقد نهينا عن ذلك [7] .
(1) انظر المبسوط 1/ 136 وبدائع الصنائع 1/ 143.
(2) انظر التفريع 1/ 223 وقوانين الأحكام الشرعية 1/ 68.
(3) انظر المغني 3/ 67 والإنصاف 2/ 276 وشرح منتهى الإرادات 1/ 262.
(4) انظر مصنف ابن أبي شيبة 2/ 69 والمجموع 4/ 169.
(5) صحيح البخاري كتاب الأذان باب إنما جعل الإمام ليؤتم به 1/ 169 وصحيح مسلم كتاب الصلاة باب ائتمام المأموم بالإمام 2/ 19.
(6) صحيح مسلم كتاب الصلاة باب ائتمان المأموم بالإمام 2/ 19 وباب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره 2/ 20.
(7) انظر المغني 3/ 67 وشرح منتهى الإرادات 1/ 262 وشرح الزرقاني على الموطأ 1/ 277 ونيل الأوطار 3/ 207.