قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رمى راكبًا، على خلاف عند العلماء في مسألة الرمي عند الجمار، هل الركوب أولى في كل حال أم المشي أولى في كل حال، أم ذلك على تفصيل؟ قد اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال: ذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن الأولى أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وما عدا ذلك ماشيًا. وذهب الإمام الشافعي عليه رحمة الله إلى أن الأولى أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، ويوم النفر راكبًا، وما عدا ذلك من أيام التشريق ماشيًا. وذهب الإمام أحمد عليه رحمة الله إلى أن الأولى أن يرمي ماشيًا، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمى راكبًا؛ ليراه الناس من جهة التشريع، فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرى الناس حوله مشاة -وهذا تقرير- وكان عليه الصلاة والسلام ثبت أنه رمى لمصلحة، ولما انتفت هذه المصلحة رجع إلى الأصل، وهذا من جهة التعليل. وهناك قول غير هذه الأقوال وهو قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد ذكر بعض الفقهاء من الحنفية أن إبراهيم بن الجراح من أصحاب أبي يوسف قال: دخلت على أبي يوسف وهو في مرض الموت، يقول: دخلت عليه - وكان مغشيًا عليه - ثم استيقظ - وهذا يدل على حرصه على العلم عليه رحمة الله - قال: ففتح عينيه، فقال: أيهما أفضل رمي الجمار راكبًا، أم ماشيًا؟ قال: فقلت: راكبًا، فقال: خطأ، قال: فقلت: ماشيًا، قال: خطأ، فقال أبو يوسف: رمي الجمار للرمل الذي يعقبه وقوف ماشيًا -لأنه بعد الرمي يحتاج إلى دعاء ووقوف، وهذا يكون في أيام التشريق أما رمي جمرة العقبة فليس بعده وقوف، كذلك رمي الجمرة الثالثة ليس بعده وقوف- قال: الرمي الذي بعده وقوف يكون ماشيًا، والذي ليس بعده وقوف يكون راكبًا. قال إبراهيم بن الجراح عليه رحمة الله: فخرجت من عنده فسمعت الصراخ قالوا: قد مات عليه رحمة الله. ومسألة الرمي على الجسور يتفرع عن هذه المسألة.