كذلك في إتباع السيئة الحسنة إشارة إلى المداولة، وأن الأمر في أمر أعمال الإنسان يدول ولا يتوقف: حسنات وسيئات، فكلما وقع الإنسان في شيء من السيئات يجب عليه أن يعقب ذلك بشيء من الطاعات: من استغفار الله جل وعلا، وكذلك التوبة والإتيان بشيء من الطاعات التي يمحو الله جل وعلا بها الخطايا، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] ، إشارة إلى أن الإنسان مرتبط بعبادة الله جل وعلا طرفي النهار وزلفًا من الليل، كذلك أيضًا فإنه يتقلب في أمر الحسنات وكذلك أمر السيئات، ينبغي عليه أن يدافع السيئة بالحسنة، وهذا ظاهر أيضًا في أن ذكر الله جل وعلا لا يتقيد بحال دون حال؛ لهذا من أراد أن ينظر إلى تقييم الإسلام وشريعته فإنه سيجد أنها جاءت بضبط كثير من الأمور حتى ما يتعلق بأمر اللباس والشراب، وكذلك النكاح، وكذلك ما يتعلق بأمر الأموال، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في المسند والسنن- من حديث عبد الله بن عمرو قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كل واشرب والبس وتصدق من غير سرف ولا مخيلة) ، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (كل واشرب والبس وتصدق) ذكر الصدقة مع الشرب واللباس والأكل، والشرب واللباس والأكل هذه من الأمور التي يأخذها الإنسان على أمر العادة، ولكن ذكر الله جل وعلا أمر الصدقة إشارة إلى أن خطاب الاقتصاد والقصد مشتمل لأمر الدنيا لضبط أمر الدنيا وضبط الدين، فلا تسرف حتى في أمر الصدقة، فتدع من خلفك عالة يتكففون الناس كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنك أن تدع ذريتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) ، إشارة إلى ضبط موازين الدنيا، وضبط موازين الآخرة، وإنما نقسم ذلك على تقسيم النظر، وإلا فالشريعة قد جاءت بضبط جميع الأمور.