لأن الأصل في الأطعمة والأشربة أنها حلال لكنها جاءت مقيدة، وسيأتينا أن النص إذا كان فيه شيء من القيود وجب إِتْبَاعِ الْقَيْدِ لِمَتْبُوعِةِ، فلا يعلق الحكم بالمتبوع دون التابع، حينئذٍ قال: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} . دلّ ذلك على أن الذي أباحه الله عز وجل ما عُلِمَ أنه من الطيبات، وأما إذا علم أنه من الخبائث فلا إشكال فيه، وأما إذا جهل هل هو من الطيبات أو من الخبائث الأصل فيه التوقف، وعليه ينبني مسألة مهمة وهي: أنه إذا كان الإنسان في بلاد المسلمين ولم يكن لأن البعض يرى أنه إذا سئل عن أي ذبحٍ ونحوه في بلاد المسلمين أنه من التنطع، وهذا غلط لماذا؟ لأنه يُفَصَّل فيه فيقال: إن لم يكن المسلمون يأتون ويستوردون لحومًا من خارج حينئذٍ السؤال عما ذبحه المسلمون يعتبر من التنطع والابتداع في الدين، لماذا؟ لأنه بإجماع أهل العلم بأن ما ذبحه المسلم أنه يُؤكل دون سؤال عنه، فإن سأله حينئذٍ هلك المتنطعون فدخل في هذا النص، هذا متى؟ إذا لم يكن المسلمون يبيعون في أسواقهم إلا ما ذبحوه بأنفسهم، وأما إذا كانوا يستوردون من خارج فحينئذٍ يُنْظَر فيه إن كان الأصل عند أولئك الذين اسْتُوْرِدَ منهم هذه المطعومات أنهم يذبحون - وهذا الشائع عندهم - ولا يحاربون الذبح بالسكين ونحوه حينئذٍ نقول: الأصل فيما ذبحه أهل الكتاب ألا يسأل عنه البتة، وحكمه حكم ما ذبحه المسلمون بشرط أن يكون من أهل الكتاب اليهود والنصارى.
الحالة الثالثة: وهي إذا عُلِمَ - لا نقول بقرائن - إذا عُلِمَ من صنيع اليهود والنصارى أنهم يحاربون الذبح فحينئذٍ الحكم يختلف، فيصير الأصل المنع من أكل ما اسْتُوْرِدَ لماذا؟ لأننا علمنا بمنطوقهم هم بأنهم لا يذبحون، ولذلك يرون أنها وحشية، رأوك تذبح دجاجة قالوا أنت [ها ها] يرون أنها وحشية بمعنى أن الذبح مما يحارب، وعندهم حقوق الحيوان لا الإنسان، حينئذٍ نقول في مثل هذه الحالة: المسلم يتورع ويتوقف عن أكل هذه المأكولات إن لم نجزم بأنها من المحرمات، فالأصل فيها السؤال أن يُمَيِّز إذا جاء إلى مطعم ونحوه يسأل هذا اللحم هل هو مستورد أم من الداخل؟ فيسأل وليس هذا السؤال من التنطع أبدًا، لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين لما نسمعه وشاع وتواتر عنهم أنهم لا يذبحون، إنما يرون الصعق ونحوه، حينئذٍ نقول: السؤال في مثل هذه الأحوال يتعين ولو كان للمرء أن يعيش بين أوساط المسلمين.
إذًا الأصل في الأطعمة الطيبة والأشربة الطيبة الحل لا بد من تقيديها، وأما الأطعمة هكذا نطلقها هذا نقول: فيه نظر. لأننا لو نظرنا في عدة آيات في القرآن عندما أمر الله عز وجل بالأكل من الطيبات ولم يأمر بالأكل مطلقًا، وإنما قال: {مِنَ الطَّيِّبَات} [المؤمنون: 51] فدلَّ ذلك على أن لا بد من معرفة هذا المأكول والمشروب هل هو من الطيبات أم لا؟ فإن جُهِلَ فالتوقف.