وكذلك الحج، ولا شك أن الاجتماع يُزيل مشقة العبادات وينشط العاملين، ويوجب التنافس في أفعال الخير، كما جعل الله الثواب العاجل، والثواب الآجل الذي لا يقادر قدره) يعني: لا يُبلغ (أكبر معين على فعل الخيرات) يعني: ما ترتب على العبادات من ثوابٍ عاجل أو آجل يُنشط النفس ويقوي الهمة في التقرب إلى الله عز وجل والمنافسة في ذلك ... (وعلى ترك المنهيات) وكذلك جعل الله الزواجر الدنيوية كالحدود والأخروية كالعذاب في النار ونحوها معينةٌ على التقوى وعلى ترك المحرمات، قال تعالى {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] (ثم إنه) يعني: ثانيًا، تلك مقدمة ليبين لك أن هذه القاعدة (المشقة تجلب التيسير) لا تظن أن العبادات مشقة، وأن الأصل في التعبد هو الإشقاق على النفس، لا، بل العبادات كلها والدين والشرعية مبنيةٌ على الحنيفية السمحة. إذًا: المراد بـ (المشقة تجلب التيسير) متعلقةٌ ببعض الأفراد، قد تشق عليه نوعٌ من أنواع العبادة وحينئذٍ جلبت تلك المشقة التيسير (ثم إنه مع هذه السهولة في جميع أحكام الشريعة إذا عرض للعبد بعض الأعذار التي تُعجزه أو تشق عليه مشقة شديدة خُفف عنه تخفيفًا يناسب الحال) إذًا: (المشقة تجلب التيسير) ليس المرد بها أن جميع الشريعة قائمةٌ على المشقة، لا، وإنما الأصل فيها اليسر، والأصل فيها الحنيفية السمحة وإنما قد يعرض لبعض العباد ولذلك كل الأحكام التي ترد إنما هي أوصاف خاصة بالعباد، ثم ضابط المشقة هنا لا بد من تحريره أن نقول: المشاق ضربان:
الأول: مشقةٌ لا تنفك العبادة عنها غالبًا. يعني: ملازمةٌ لها، مشقةٌ لا تنفك العبادة عنها غالبًا فهذه لا يلتفت إليها البتة، وهذا محل وفاق، ولا تُؤثر في إسقاط العبادات على المكلفين، بل العبادة واجبة كما هي، مثال ذلك لو شعر ببردٍ عن الوضوء برد خفيف لا يضره، حينئذٍ نقول: هذا الوضوء واجبٌ، وهذه المشقة محتملة مغتفرة، لا يلتفت إليها ولا توجب العدول عن استعمال الماء الى البدل وهو التيمم، لكن إن ترتب عليه الضرر حينئذٍ دخلت في النوع الثاني، واضح هذا؟
كذلك الصوم، الصوم لا بد فيه من مشقة، يُمسك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا بد فيه شيءٌ من المشقة وتعب للنفس لكنها محتملة مغتفرة، هذه المشقة لا نقول توجب إسقاط وجوب الصوم، وإنما الصيام كما هو واجب وهذه المشقة تعتبر معتفرة، إذًا: مشقةٌ لا تنفك عنها العبادة غالبًا، وهذا محل وفاق أنها لا تؤثر في إسقاط العبادات.
النوع الثاني: مشقةٌ تنفك عنها العبادات غالبًا. هنا يأتي في موضع هذه القاعدة بمعنى أن الأصل أن هذه العبادة لا تقترن بها هذه المشقة بعينها بخصوصها، وهذه على ثلاثة أنواع: