قال الشاطبي رحمه الله تعالى: إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ التواتر. القطع يعني، فهي قطعية، فحينئذٍ أدلة هذه القاعدة قطعية وذلك نقول: هي مجمعٌ عليها. قال هنا: (فأولًا) يعني: قبل الدخول في ما يتعلق بالأمثلة للقاعدة نقدم مقدمة (جميع الشريعة حنيفية سمحة) كما جاء وصف الدين بهذه الصفة والصيغة أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة» . رواه البخاري في صحيحه تعليقًا، وحسنه الحافظ. قال الشاطبي رحمه الله تعالى: وسُمي الدين بالحنيفية لما فيها من التيسير والتسهيل. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبة فسددوا وقاربوا وأبشروا» . الحديث، وفيه عن أنسٍ رضي الله عنه ... قال - صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» . (جميع الشريعة حنيفية سمحة، حنيفية في التوحيد، لأن مبناها على عبادة الله وحده لا شريك له) ، (مبناها) يعني: الشريعة، والحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك مبنية على الإخلاص لله عز وجل، فالحنيف هو المائل عن الشرك قصدًا إلى التوحيد، (سمحة) يعني: سهلةٌ ميسرة (في الأحكام والأعمال، فالصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة لا تستغرق من وقت العبد إلا جزءًا يسيرًا) وهذا يُسرٌ ليس فيه مشقة، فالصلوات الخمس التي هي أعظم ما أمر الله تعالى به بعد التوحيد هي يُسرٌ في ذاتها وفي عددها وفي صفتها .. إلى آخره، (والزكاة) وهي تأتي بعد الصلاة لا تجب إلا في الأموال المتمولة يعني: النامية، يتاجر فيها، إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول وهي (جزء يسير جدًا في العام مرة) إذًا: فيها يسرٌ (وكذلك صيام رمضان شهر واحد من جميع العام، والحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة على المستطيع) ليس على جميع الناس، (وبقية الواجبات عوارض) يعني: كالجهاد وإغاثة الملهوفين ونحو ذلك (بحسب أسبابها، وكلها) أي: كل ما ذكر الأركان الخمسة (في غاية اليسر والسهولة، وقد شرع الله لكثير منها أسبابًا تعين عليها) . يعين: هي في نفسها ميسرةٌ وسهلة، ثم شرع أسبابًا تزيدها سهولةً وليونةً، (وقد شرع الله لكثير منها أسبابًا تعين عليها وتنشط على فعلها، كما شرع الاجتماع في الصلوات الخمس) لا شك أن الجماعة وترائي الناس بعضهم لبعض مما يشجع على إقامة الصلاة (والجمعة، والعيدين) ، (كما شرع الاجتماع في الصلوات الخمس، والجمعة، والعيدين) عندكم [الأعياد] هذا غلط، (وكذلك الصيام) لأنه ذكر الجمعة لو لم يذكر الجمعة لقال الأعياد صحيح، لكن لما ذكر الجمعة حينئذٍ تعين والعيدين (وكذلك الصيام يجتمع المؤمنون في شهر واحد لا يتخلف منهم إلا معذور بمرض، أو سفر أو غيرهما.