وهذه قاعدة مجمعٌ عليها، والمشقة بالتحريك وتشديد القاف مصدر شقَّ، والجمع مشاق ومشقات، وهي العسر والعناء خارجين عن حدّ العادة في الاحتمال. ومنه: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل: 7] يعني تعب الأنفس فالمشقة هي الحرج في التكليف، و (التيسير) هو السهولة الليونة، وقالوا: يسر الأمر إذا سهل، إذًا: ... (المشقة) هي العناء (تجلب التيسير) الذي هو الليونة واليسر، فالتيسير هو التخفيف والتسهيل فالمعنى اللغوي الإجمالي للقاعدة الصعوبة والعناء تُصبح سببًا للتسهيل، لأنه قال: (تجلب) . إذًا: أضاف إلى المشقة أنها جالبةٌ هي سببٌ لماذا؟ للسهولة والتخفيف، والمعنى الشرعي الاصطلاحي لها أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرجٌ على المكلَّف ومشقةٌ في نفسه أو ماله فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلَّف دون عسرٍ أو إحراجٍ، ويفهم منها أن المشقة التي يجدها المكلَّف في تنفيذ الحكم الشرعي سببٌ شرعي صحيح، أن المشقة التي يجدها المكلف في فعل العبادة سببٌ شرعيٌ للتخفيف منه بوجهٍ ما، لأن في المشقات إحراجًا والحرج مدفوعٌ على المكلف بنصوص الشريعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: (هذا أصلٌ عظيم جميع رخص الشريعة وتخفيفاتها متفرعة عنه) . (رخص) جمع رخصة وهي في اللغة السهولة واللين واليسر والتوسع، جميع الرخص داخلةٌ في هذا الأصل العظيم، واصطلاحًا أطلق الفقهاء لفظ الرخصة على كل معنًى خاصٍ رُوعِي في تشريعه التخفيف لسببٍ ما، يعني: الأصل الحكم العام يأتي ما يؤدي إلى استثناء عند وجود مشقةٍ، هذ يُسمى ماذا؟ يُسمى ترخيصًا، أطلق الفقهاء لفظ الرخصة على كل معنًى خاصٍ رُوعِي في تشريعه التخفيف لسببٍ ما إذا كان هذا المعنى مستثنى من حكم عام، فيبقى المعنى العام ويستثنى منه شيء خاص لموجب التخفيف، وذلك كإباحة الفطر في السفر وكذلك القصر والجمع في السفر. (قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [سورة البقرة:185] ) هذا نصٌ في هذه القاعدة العظيمة لذلك قال السيوطي رحمه الله تعالى: فهذه الآية أصل القاعدة الكبرى التي تقوم عليها تكاليف هذه الشريعة، وهي أصلٌ لقاعدةٍ عظيمة ينبني عليها فروعٌ كثيرة وهي أن [المشقة تجلب التيسير] وهي إحدى القواعد الخمس التي ينبني عليها الفقه وتحتها من القواعد والفروع ما لا يحصى كثرةً والآية أصلٌ في جميع ذلك. (وقال سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ... [سورة البقرة: 286] .) ( {لاَ يُكَلِّفُ} ) يُكلف لها مفهوم أم لا؟ لها مفهوم، فحينئذٍ ما في وسع المكلف مأمورٌ به ومكلفٌ به، لأنه قوله: ( {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ) لها مفهوم، وهو إثبات التكليف فيما استطاعه الإنسان وفيما هو في وسعه، قال ابن تيمية في هذا النص:"تضمن أن جميع ما كلفهم به أمرًا أو نهيًا مطيقون له قادرون عليه". وهو كذلك لا ( {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ) إذًا: ما كلفهم به من الأوامر والنواهي فهم قادرون عليه مطيقون له،"وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون .."