فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 361

(ثم اعلم أن المقاصد أعلى من الوسائل) إذا قيل: بأن الوسيلة لها حكم المقصد. الذهاب إلى الصلاة واجب والصلاة واجبة، هل الواجب كالواجب؟ هل هما سيان في مرتبة واحدة؟ أم نقول وجوب الوسيلة أدنى من وجوب المقصد؟ لا شك في هذا، لا يستويان، إذًا إذا قيل بأن الوسائل لها أحكام المقاصد لا يلزم منه المساواة من كل وجه، لأن الواجب درجات، أعلى وأدنى وأوسط، والمستحب درجات والمحرم درجات والمكروه درجات حينئذٍ نقول: حكم الوسيلة حكم المقصد، لكنه لا يستوي معه من كل وجه يدل على ذلك أن المقصد مقصود لذاته والوسيلة مقصودة لغيرها، ولا شك أن المقصود لذاته أعظم درجة في الشرع من المقصود لغيره، ودل ذلك على أن المقاصد أعلى من الوسائل من هاتين الجهتين، وأعظم رتبة وأعظم أجرًا، ما يترتب على الواجب الذي هو مقصد أعظم مما يترتب على الواجب الذي هو وسيلة، لأنه إذا سقط المقصود سقطت الوسيلة، أليس كذلك؟ نقول: المشي إلى الصلاة واجب لأن صلاة الجماعة واجبة أو الصلاة واجبة، طيب إذا كان مريضًا سقط عنه حضور الجماعة، والمشي يبقى أم يسقط؟ يكون تابعًا للمقصد فإذا سقط المقصد سقطت الوسيلة هذا في الجملة، وإذا سقط المتبوع سقطت التابع، فالواجب مثلًا مقصود لذاته والوسيلة مقصودة لغيرها، (قال تعالى) أراد أن يبين الأدلة على هذه القاعدة (قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} ) عطش ( {وَلاَ نَصَبٌ} ) أي: تعب. ( {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} ) أي: مجاعة. ( {فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا} ) أي: أرضًا. ( {يَغِيظُ الْكُفَّارَ} ) وطئهم إياهم ( {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا} ) يعني: لا ينالون لا يصيبون من عدوهم نيلًا أي: قتلًا أو أسرًا أو غنيمة أو هزيمة ( {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ} ) بذلك العمل بسببه الباء سببية ( {عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً} ) يعني: في سبيل الله ( {صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} ) ( {صَغِيرَةً} ) قيل: ولو علاقة سوط. ( {وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا} ) أي: لا يجاوزن واديًا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين ( {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ} ) ( {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} ) يعني: آثارهم وخطاهم ( {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120، 121] ) وجه الدلالة من الآية أن الله عز وجل بين وأثبت لهم الأجر لكونهم خرجوا في سبيل الله للقتال ولما يصلوا بعد، فدل ذلك على أن نقل خطاهم والمشي من أجل الوصول إلى محل القتال والمعركة، كل ذلك يعتبر له حكم المقصد. إذًا وجه الدلالة أن الله تعالى ذكر ثواب المجاهدين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم في أثناء الطريق لم يصلوا بعد إلى ميدان القتال فذكر النفقة وقطع الوادي بالمشي والسير ومع هذا أثبت لهم الأجر هذا يدل على أن الإنسان كما يثاب على المقصد يثاب كذلك على الوسيلة، واضح؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت