قال رحمه الله تعالى: و (مثال: ما مصلحته خالصة من المأمورات ومضرته خالصة من المنهيات: جمهور الأحكام الشرعية) (جمهور) يعني: أكثر (الأحكام الشرعية) فهي خالصة (مصالحه خالصة) والمنهيات مفاسدها خالصة، إذًا على هذا الكلام أن ما أمر به الشارع وكانت المصلحة فيه خالصة على الكلام الشارح هنا أكثر من الأوامر التي فيها المصلحة راجحة، وما كان النهي فيه بمفسدة خالصة أكثر من النهي أو من النواهي التي المفسدة تكون فيها راجحة. (مثال: ما مصلحته خالصة من المأمورات ومضرته خالصة من المنهيات: جمهور الأحكام الشرعية، فالإيمان، والتوحيد، مصالحهما خالصة في القلب، والروح، والبدن والدنيا، والآخرة، والشرك والكفر مضرته ومفسدته خالصةً على القلوب، والأبدان، وفي الدنيا والآخرة، والصدق) أمر الله تعالى به (مصلحته خالصة، والكذب بضده،) مفسدته خالصة (ولهذا إذا ترتب على أنواع الكذب مصلحة كبرى تزيد على مفسدته كالكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس فقد رخص فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجحان مصلحته، والعدل مصالحه خالصة، والظلم مفاسده خالصة، والميسر والخمر مفاسدهما ومضارهما أكثر من نفعهما ولذلك حرمهما الله، قال تعالى: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] ) . {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ليس من جهة الشرع يعني: الله عز وجل ما أقرهم وإنما بين حال وقعهم بأنهم ينتفعون بها من حيث الكسب والتجارة فحسب، وأما ينتفعون بها في الأبدان ونحو ذلك فالعقول فلا ... {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وإذا ترت بعض المصالح العظيمة على بعض أنواع الميسر كأخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام جاز لِمَا فيه من الإعانة على الجهاد الذي به قوام الدين. وهذا سيأتي في قاعدة مستقلة وتعلم السحر مضرته خالصة كما قال تعالى: ... {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [البقرة: 102] من أين أخذنا من الآية مفسدته خالصة ليس فيه منفعة البتة {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} وجه الاستدلال نعم من قوله: {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} ، ينفع فعل مضارع منسبك من زمنٍ ومصدرٍ، والمصدر نكرة في سياق النفي فيعمّ، هو من صياغ العموم، يعني: هذا التركيب {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} من صيغ العموم وجهه أن لا ينفع فعل مضارع مشتق من المصدر، والمصدر الأصل فيه أنه نكرة إذًا نكرة في سياق النفي فيعم هذا المراد به. (وحرم الله الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونحوها لما فيها من المفاسد والمضار) وهذا واضح، (فإذا قاوم هذه المفاسد مصلحة عظيمة) ودفع مفسدةٍ كبيرة (وهي الضرورة لإحياء النفس حلت) يعني: الأصل في الميتة التحريم، لماذا؟ للمفسدة، هل المفسدة خالصة أم راجحة؟ خالصة، لكن قد يوجد وصفٌ في المكلف يعتبر هذا الحكم في حقه مستثنى، الذي هو التحريم مع المفسدة، وهو الضرورة لأحياء النفس، ولذلك قال: (فإذا قاوم هذه المفاسد مصلحة عظيمة، ودفع مفسدةٍ كبيرة وهي الضرورة لإحياء النفس حلت) يعني الميت (قال تعالى: ... {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ... [المائدة: 3] ) .