ثم قال رحمه الله تعالى: (وأحد الأصول الأربعة) القياس، الأصول الأربعة يعني: الأدلة. الأدلة المراد بها الكتاب والسنة وماذا؟ والإجماع والقياس، هذه أصول أربعة متفق عليه بالإجماع، الكتاب والسنة والإجماع الإجماع المتيقن والقياس الصحيح، وأحد الأصول الأربعة القياس يعني: القياس وهو أي: القياس (الميزان الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية) ... [هذه العبارة أولى من التي عندكم] وهو أي القياس الميزان الذي عليه الأحكام الشرعية، الذي قال الله فيه، القياس لا تبنى عليه الأحكام الشرعية، القياس أحد الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية، إذ الكتاب قد تثبت به الأحكام الشرعية، والسنة تثبت بها الأحكام الشرعية، وكذلك الإجماع، حينئذٍ القياس أحد الأدلة وليس هو جميع الأدلة، إذًا هو الميزان التي تبنى عليه الأحكام الشرعية الذي قال الله فيه: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17] قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزانًا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية. والميزان (وهو الجمع بين المسائل) يعني: الفروع (المتماثلة في مصالحها، أو في مضارها بحكم واحد) يعني: الشرع كما نص عليه هنا أن الشارع لا يفرق بين متماثلين، كما أنه لا يجمع بين مختلفين، لا يفرق بين متماثلين يعني فرعٌ وفرع استويا صورةً ومعنًى فلا بد أن يتحدا حكمًا، لا بد أن يتحدا، لكن ينبغي أن يُنظر أولًا هل هذا الفرع مساوي لهذا الفرع أم لا؟ لئلا يهم لأن حينئذٍ يلحق به حكمًا ولا يكون الأمر كذلك، فحينئذٍ إذا وجد فرعان كل منها ما مساوٍ للفرع الآخر من كل وجهٍ لزم أن يكون الفرع الثاني حكمه حكم الأول.
قال هنا: (الجمع بين المسائل) أي: الفروع (المتماثلة في مصالحها، أو في مضارها بحكم واحد، والتفريق بين المتباينات المختلفات بأحكام مختلفة مناسبة لكل واحد منها) . وهذا هو حقيقة القياس إلحاق فرعٍ بأصلٍ لعلة جامعة للحكم، فإنك لا تُلحق الفرع بالأصل إلا لاجتماع صفات في هذا الفرع تشبه الأصل فحينئذٍ يكون حكمه حكمه، لأن الله عز وجل يُلحق الطيب بالطيب والخبيث بالخبيث .. وهكذا.