جسيم جَسُمَ الشيء أي عَظُمَ فهو جسيم، وهذه الشريعة مأموراتها ومنهياتها من أعظم معجزات القرآن ورسوله - صلى الله عليه وسلم -) من أعظم معجزات القرآن لأنها متفقة بمعنى أنها غير متضارب، لا يأتي بموضع يأمر بما نهى عنه بموضعٍ آخر، وكذلك هي معجزة للقرآن وآية للقرآن لكونها ما من أمرٍ إلا وكان مما يُعلل إلا وللعقل فيه نصيبٌ من استنباط الحكمة وهي المصلحة الراجحة إلى الفعل المكلف والرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يتكلم كذلك فيه من الأوامر فهي محكمة في غاية الأحكام، وأنها أي: هذه الآيات تنزيل من حكيم حميد ومثلها ما وصف الله به خواص العباد وفضلائهم بقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} إلى قوله {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان: 63 - 75] الآية وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] ثم عدد أوصافهم الجليلة ثم قال: في جزائهم {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10، 11] وقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى قوله {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] فكل ما في هذه الآيات من الأوصاف التي وصف الله بها خيار الخلق، قد عُلِمَ حسنها وكمالها ومنافعها العظيمة بأن الله تعالى أثنى عليهم بها، ومن ضوابط العبادة أن الله تعالى يُثني على الوصف على الفعل، أو يثني على الفاعل أو يرتب الثواب العاجل أو الآجل عليها، فحينئذٍ نقول: هذا من ضوابط العبادة، كيف نعرف أنها عبادة؟ نقول: إذا أثنى الله تعالى على فاعليها {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ} أثنى، بماذا؟ بإسلامهم، فالإسلام عبادة ولا شك في ذلك. إذًا {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] وجميع ما في الشريعة من العبادات والمعاملات والأمر بأداء الحقوق المتنوعة، وتفاصيل وتفاريع لما ذكر الله في هذه الآيات، وجميع ما فصله العلماء من مصالح المأمورات ومنافعها، ومضابط المنهيات ومفاسدها داخل في هذا الأصل، هذه القاعدة، إذًا اشتملت الشريعة كلها، ولهذا يعلل الفقهاء الأحكام المأمورة بها بالمصالح، والمنهي عنها بالمفاسد، مأمور بها يعني: إيجابًا أو استحبابًا، والمنهي عنها بالمفاسد يعني: نهي تحريمٍ أو نهي كراهة، لأن العبادة قائمة على هذين الأمرين، بل الدين كله الأحكام الشرعية كم؟
خمسة أو أربعة، والإباحة من باب التوسع.
إما إيجابٌ وإما ندب، إما تحريم وإما كراهة.
إذًا إما أوامر وإما نواهي، حينئذٍ إذا كانت الأوامر والنواهي هي التي تعلقت بها هذه القاعدة حينئذٍ شملت الدين كله، ولذلك كل أمرٍ في الشرع ذكره أهل العلم بأن الله تعالى أمر به فلا بد وأنه مشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة، وكل نهي جاءت فيه الشريعة أو نص عليه العلماء وفصلوا فيه فحينئذٍ نهى عنه الشارع إما لمفسدة خالصة أو مفسدة راجحة، ولهذا يعلل الفقهاء الأحكام المأمور بها بالمصالح، والمنهي عنها بالمفاسد.