قال رحمه الله تعالى: (كما جمعت الآية التي بعدها أصول المحرمات، ونبهت على قبحها، وهي قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [سورة الأعراف:33] ) قلنا: بأن الآية هنا نزلت في إيجاب ستر العورة لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فسر بعضهم الفواحش هنا بالطواف عراةً، و {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} {مَا ظَهَرَ} طواف الرجل بالنهار {وَمَا بَطَنَ} طواف النساء بالليل، هكذا فُسِّر، لكن المراد به على جهة العموم حينئذٍ نقول {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} يعني: ما كان ظاهرًا فحشه وما كان خفيًا، {مَا ظَهَرَ} ما أظهرتموه، {وَمَا بَطَنَ} ما أخفيتموه، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ} يعني الذنب والمعصية {وَالْبَغْيَ} الظلم والكبر بغير حقٍ، هذا وصفٌ كاشف ليس عندنا كبر بحق وكبر بغير حق، وليس عندنا بغي بغير حق وبغي بحق، إنما هو كله بغير حق حينئذٍ يكون الوصف كاشفًا (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ) أي: حرم عليكم الشرك بالله (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) وهي حجة أو برهان، وهذا كذلك وصفٌ كاشف ليس عندنا شرك له برهان وشرك ليس به برهان، (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.
إذًا هذه الآية دلت على أصول المحرمات لأنه قال: حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ما كان خفيًا وما كان ظاهرًا، وحرم الشرك، وحرم القول على الله تعالى بلا علم.
قال رحمه الله تعالى: (ولما ذكر الله الأمر بالطهارة للصلاة) في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] إلا آخره من الحدث الأكبر والأصغر، وذكر طهارة الماء، ثم طهارة التيمم عند العدم أو الضرر بمرض ونحوه، قال تعالى: بعد ما بين تلك الطهارتين وما ينوب عنهما قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} يعني: ضيق ومشقة {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ} ، {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} يعني في الأحكام التي مرت وفي غيرها {وَلَكِن يُرِيدُ} بتشريع العبادات {لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فأخبر سبحانه أن أوامره وشرائعه من أكبر نعمه العدل، لقوله: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ} من أكبر نعمه العاجلة المتصلة بالنعم الآجلة إذًا عندنا نعم عاجلة في الدنيا لأنها سبب للطهرة الحسية والطهرة المعنوية، وللنعم الآجلة وهو الأجر العظيم عند الله تعالى بدخول الجنة.