قال: (لا فرق بين ما تعلق بالأصول أو بالفروع، وما تعلق بحقوق الله، وحقوق عباده) يعني: هذا تفسيرٌ لقوله: (شامل لجميع الشريعة) كيف أو ما وجه الشمولية بأنه لا يخرج عنها حكم من أحكام الشريعة، ثم الشريعة منها أصول ومنها فروع، ما أمر الله به الشارع في الأصول أو الفروع فهو لمصلحة خالصة أو راجحة، ثم الحقوق حقان: حق متعلق بالخالق جل وعلا، وحق متعلق بالعباد. إذًا جميع ما يتعلق بالشريعة فهو داخل في هذه القاعدة. دليلها قال رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] ) هذه أجمع آية في كتاب الله كما قال ابن مسعود وغيره رضي تعالى الله عنه. {إِنَّ اللَّهَ} جل وعلا {يَأْمُرُ} هذا يتعلق بجلب المصالح وتحصيلها لأنه قال: {يَأْمُرُ} ، {وَيَنْهَى} الشرع قائم على الأوامر والنواهي، فحينئذٍ الأوامر {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ} هذا يتعلق بجلب المصالح وتحصيلها، قال: ... {وَيَنْهَى} هذا يتعلق بدرء المفاسد ودفعها، يأمر بماذا قال: {بِالْعَدْلِ} والعدل كله إحسان كله حق {وَالإِحْسَانِ} أي: إلى الناس {وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} يعني: حقه، وهذا صلة الرحم {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} والعدل واجب {وَالإِحْسَانِ} ، {وَالإِحْسَانِ} نوعان: منه واجب ومنه مستحب {وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} حقه هذا منه واجب ومنه مستحب، وقد جمع هذه الأمور الثلاثة الواجب الخالص وهو العدل، والواجب المشرك مع المستحق بصيغة واحدة وهي {يَأْمُرُ} فدل على وجود المشترك واستعماله في معنيين، واضح هذا؟ {يَأْمُرُ} هذا أمر يستعمل في الإيجاب والندب حقيقة فيهما، وليس هو حقيقة في الإيجاب مجازًا وفي الندب، بل يستعمل فيهما، وهذا دليل من الأدلة على ذلك {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} أمر إيجابٍ، والإحسان أمر إيجاب وندب، إذًا اسْتُعْمِلَ اللفظ المشترك في معنيين، واستعمال اللفظ المشترك في معنيين غير المتضادين حقيقة على الصحيح. قال: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء} ، {الْفَحْشَاء} ما قبح من القول والفعل {وَالْمُنكَرِ} وهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنة {وَالْبَغْيِ} وهو الكبر والظلم والعدوان على الخلق، قال: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ، ... {لَعَلَّكُمْ} هذه للتعليل {تَذَكَّرُونَ} يعني: تتعظون، أي: لأجل أن تتذكروا.