فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 361

عدم جواز بالأخذ بالمصلحة المرسلة، وهذا رجحه شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى، وهو الظاهر أنها ليست بدليل معتبر من حيث الاستقلال، وإن صح أن يجعل معنًى كعلةٍ في باب القياس ليُعلل به من تلك الحيثية، وأما أنه دليل مستقل، فالجواب: لا. ولذلك القول بالمصلحة المرسلة قالوا: قول بالرأي والهوى والتشهي ويلزم منه - وهو كذلك - أن يستغل ذلك أهل الأهواء والأغراض للوصول إلا مأربهم وأغراضهم باسم المصلحة، حتى في زماننا هذا كم من أحكام شرعية يراد هدمها باسم المصلحة، حينئذٍ درءًا وسدًّا لهذا الباب العظيم الذي لو فُتِحَ لَمَا أُغْلِق قلنا: بالمنع بالقول بالمصلحة، كذلك الشريعة جاءت بكل المصالح شريعة كاملة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] إذًا كامل الدين فلا نحتاج إلى التعبير بالمصالح، فما ظُنَّ أنه مصلحة فلا يخلو من حالين:

إما أن الشرع دل عليه لكن لم يتبين ذلك للمجتهد.

أو أنه ليس بمصلحة عند التحقيق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحةً قط". ليس ثم مصلحة يَدَّعِيهَا مُدَّعٍ ولم تأت الشريعة بإما إيجاب أو استحباب، فهذه الدعوى مردودة على صاحبها، لماذا؟ لأن الشريعة كاملة، وجاء النص في ذلك واضحًا بينًا لأن الله عز وجل قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إذًا الدين الكامل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما ترك طائر يطير بجناحيه في السماء إلا وبين للصحابة منه ما يتعلق به من أحكام شرعية، إذًا إذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ كل من ادَّعَى مصلحة شرعية قد أهملها الشارع بأنه لم يأت ببيان الحكم الشرعي فهو مردود عليه. يقول ابن تيمية:"والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي - صلى الله عليه وسلم - وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة - قد يدع بعض أهل العلم ومقصده شريف بأن هذه مصلحة ولم يعتبرها الشارع فما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له:"

إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، وهذا الغالب أن ما ادعي أنه مصلحة إما أنه دُلَّ عليه بمفهوم أو بمنطوق أو نحو ذلك من الأدلة العامة، فهو داخل في عموم النصوص.

أو أنه ليس بمصلحةٍ وإن اعتقده مصلحةً لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة وكثير ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا، ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة كما قال تعالى في الخمر والميسر {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] وهذا القول هو المرجح بأن مصلحة المرسلة غير معتبرة، وإذا كان كذلك فنرجع إلى الأصل وهو تحكيم النصوص والوقوف مع ألفاظها، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت