إذًا القول بتساوي الأخ وأخته في الميراث للأخوة التي تجمع بينهما لكن هذا المعنى ملغى بقوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 176] وقس على ذلك كلّ ما حرمه الشارع وأُريد في زمن ما أن يلغى لاعتبار في تطور الناس أو في اختصار الناس أو نحو ذلك فكله نقول: هذا مصلحة ملغاة.
الثالث: المصلحة المسكت عنها. وهي ما سكتت عنها النصوص الخاصة، فلم تشهد لها باعتبار ولا بإلغاء، وهذه على النوعين، وهذه مسألة مهمة.
النوع الأول: أن يكون هذا المعنى ملائم لتصرفات الشارع. يعني: ادُّعِي بأن هذا المعنى مصلحة ولم يرد نص من كتابٍ أو سنة يشهد لها باعتبارٍ أو عليها بإلغاء، مسكوت عنها، حينئذٍ نقول: هذا المعنى قد يكون ملاحظًا في تصرفات الشارع، يعني: له أصلٌ دلّ عليه أصل اعتبره في موضع كذا أو في باب كذا نقول: هذه تُسمى المصلحة المرسلة، وهي معتبرة عند بعضهم، أن يكون هذا المعنى ملائمًا لتصرفات الشارع، بأن يكون له جنس معتبر في الشرع في الجملة بغير دليل خاص، وهذا هو المصلحة المرسلة، ومن أمثلته جمع الصحابة للمصحف، وهذا الذي ذُكِرَ فيه الخلاف، يعني: مصلحةٌ أو معنى ادَّعَى أنه مصلحة ولم يأت نص من كتاب أو سنة يشهد له باعتبارٍ أو بإلغاء، لكن هذا المعنى له وجود في الشرع بأن اعتبره في مقام كذا: وكذا وحينئذٍ نقول هذه مصلحة مرسلة، وهذه التي وقع فيها النزاع هل تعتبر دليلًا يستدل بها أم لا؟
النوع الثاني: أن يكون هذا المعنى غير ملائم لتصرفات الشارع، يعني مصلحة ادُّعِيَ أن هذا المعنى مصلحة لكن نظرنا الشرع لم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء، ثم هل الشارع اعتبر هذا المعنى في موضع ما؟ الجواب: لا. حينئذٍ نقول: هذه ملغاة ولا يجوز أن تعتبر مصلحة تعلل بها الأحكام الشرعية أو تثبت بها الأحكام الشرعية، أن يكون هذا المعنى غير ملائم لتصرفات الشارع، وهذا النوع ليس بحجة باتفاق، كما ذكر الشاطبي في ... (( الاعتصام ) )وهو ملحق بالنوع الثاني وهو المصالح الملغاة، لأنه وإن لم يشهد له نص خاص بالإلغاء إلا أن مجموع النصوص تشهد له بذلك لمخالفته لمقصود الشارع من جهة المعنى.
إذًا هذا النوع الثالث ما يُسمى بالمصلحة المرسلة ومر معنى أن فيها خلافًا بين الأصوليين وغيرهم، هل هي دليل شرعي أم لا؟ وهو محل نزاع، لكن محل النزاع يجب أن يُحَرَّر وهو أنهم اتفقوا على أن المصالح المرسلة غير معتبرة في العبادات، لأن العبادات مبناها على الحظر كما سيأتي معنا، إذًا العبادات توقيفية ليس عندنا تشريع في مقام العبادات للمصلحة المرسلة، لماذا؟ لأن إجماع أهل العلم على أن العبادات توقيفية حينئذٍ لا مدخل للمصلحة فيها.
ثانيًا: اتفقوا على عدم جواز العمل بالمصلحة المرسلة في المقدرات كالحدود، الكفارات، ونحوها هذه لم يأت أحد من أهل العلم المعتبر قديمًا وحديثًا وادَّعى أن المصلحة تقتضي غير ذلك في إلغاء حدّ أو نحو ذلك، هذا متفق عليه، أولًا في العبادات، وثانيًا في المقدرات والكفارات ونحوها، ثالثًا في باب المعاملات والعادات، هنا وقع النزاع بين أهل العلم، هل المصلحة معتبرة أم لا؟
فيها قولان مشهوران: