المصلحة المعتبرة شرعًا. يعني: ما الذي اعتبره الشارع مصلحةً. إذًا قيل: الشارع لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، من الذي يحدد المصلحة نحن أم الشارع؟
الشارع، فحينئذٍ: هذه المصالح منها ما دل على الشرع على اعتباره.
ومنها ما دل الشرع على إلغائه.
ومنها ما سكت عنه الشارع.
إذًا القسمة ثلاثية:
إما أن يأتي دليل فيدل على أن هذه المصالح معتبرة فشهد لها الشارع.
وإما أن يأتي الدليل فيدل على أن هذه المصلحة التي هي في ظاهر ظن المكلف أنها مصلحة أنها ملغاة، فحينئذٍ نقول: هذه المصلحة غير معتبرة، وإن ظن الظان أنها مصلحة.
النوع الثالث: ما سكت عنه الشارع لم يشهد له بإثباتٍ ولم يشهد له بإلغاء.
إذًا المصلحة المعتبرةُ شرعًا وهي التي شهد الشرع باعتبارها وقام الدليل على رعايتها من نصٍ أو إجماعٍ، مثالها تحريمُ شرب الخمر لحفظ العقل، هذه مصلحة دل عليها الشارع، تحريم شرب الخمر لحفظ العقل، فحفظ العقل مصلحةٌ ومقصدٌ شرعيٌ معتبر، ومثله وجوب القصاص في القتل العمد العدوان لحفظ النفوس، فحفظ النفس مصلحةٌ ومقصدٌ شرعي. إذًا: ما الذي دل على أن حفظ النفوس من المصالح؟ الشرع ما الذي دل على أن حفظ المال من المصالح؟ الشرع، ما الذي دل على أن حفظ العقل من المصالح؟ الشرع، فلا بد أن يثبت لأن هذه مصلحة. هذا النوع الأول.
الثاني: المصلحة الملغاة. هذا النوع الأول مصلحةٌ باتفاق لا خلاف فيه بين أهل العلم وهو حجةٌ باتفاق، يعني: يعلل به ويصح الإلحاق في باب القياس بهذه العلة لأنه منصوصٌ عليها أو مجمعٌ عليها.
النوع الثاني: المصلحة الملغاة شرعًا. وهي التي شهد الشرع ببطلانها وعدم اعتبارها بنصٍ أو قياسًا، ويسميها بعض الأصوليين المناسب الغريب مر معنا في (( القواعد والأصول ) )، ومن أمثلة هذا النوع القول بتساوي الأخ والأخت في الميراث للأخوة. فرَّق الشارع بينهما، جاء من حَكَّمَ عقله قال: إذًا كما أن الشرع فرق بين أو الشرع ساوى بين الذكر والأنثى في بعض المسائل كالصلاة والزكاة ونحوها. إذًا: كذلك الأمر في شأن الميراث، فهذا أخٌ والأخوة موجودة إذًا نقول: بالتساوي. نقول: هذا قد يقال بأنه في باب الأمر أنه فيه شيءٌ من المصلحة وخاصةً أن الفقهاء وأصحاب الفرائض يعللون بأن للذكر مثل حظ الأنثيين لأن الذكر يطالب بالمال والنفقة، فإذا وجدت المرأة كذلك تخرج وتكتسب ونحو ذلك فساوت الرجل حينئذٍ تحتاج إلا نفقة تنفق على نفسها وعلى تجارتها، فحينئذٍ قد يقول قائل بأن المساواة هنا بين الذكر والمرأة في والأنثى بين الذكر وأنثى في الميراث أنه مصلحة. نقول: هذه الشرع نص على إلغائها، كيف نص على إلغائها؟ نص على أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو شرع في ذاك الزمن وفي هذا الزمن، فحينئذٍ الشارع لم يعلل الحكم أولًا، وثانيًا لم يفرق بين زمن وزمن، وثالثًا لم يذكر علةً ولذلك مثل هذه الأحكام الأولى إلا تعلل وتجعل تعبدية لئلا يدخل فيها من هذه الجهة.