فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 361

قال: (وهنا داع وحامل) يعني: سببٌ. (حمله على ذلك، اعتبرنا ذلك الذي حمله لأن الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها) . يعني: الشئون. والمقصود هنا عمل الجوارح ومنه اللسان وفعله القول، إذًا ينظر في السبب الحامل. المثال قال رحمه الله تعالى: (فمن ذلك عقود المكره) . المكره قد يبيع ويشتري، إذا نظرنا إلى ذات البيع قلنا: صحيح، أليس كذلك؟ باع واشترى حصل إيجابٌ وقبول وتسليم الثمن والسلعة ... إلى آخره، لكن نقول: هذا البيع باطل. لماذا؟ اعتبارًا بحال البائع لأن حاله إنما هو إلجاءٌ إلى البيع وإكراهٌ على البيع، إذًا هل رَضِيَ؟ نقول: لا. فاستدللنا بكونه مكرهًا على أن الرضا غير موجود، وإذا انتفى الرضا انتفى البيع، واضح هذا؟ من أين حكمنا على العقل؟ حكمنا عليه بحال البائع، وأما البيع هو في ذاته بصورته بيعٌ صحيح، لكن لَمَّا دَلَّ وصف البائع على أنه مُكْرَه حينئذٍ علمنا أن الرضا غير موجود، النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما البيع عن تراضٍ» . (عقود المكره) قال: (بغير حقٍ) . هذا احترازًا مما مر معنا إن المكره بحق كما لو بِيع من جهة الحاكم ما له من أجل إيفاء الديون جاز ذلك، والكلام هنا في من أكره بغير حقٍ (وتبرعاته) كذلك لو تبرع وهو مكرهٌ كما لو أجبر على الوصية عند موته، حينئذٍ هذه الوصية لا تنفذ لا تعتبر، لماذا؟ اعتبارًا بحاله لكون الوصية قد وقعت مع الإكراه. إذًا هو غير راضٍ لا تنعقد. قال: ... (عقود المكره بغير حقٍ وتبرعاته لا تنعقد) . لا تنعقد، لماذا؟ لأن الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة، وهنا السبب وهو كونه ملجئًا ومكرهًا معتبرٌ في الدلالة على أن الرضا غير موجود.

(ومن ذلك: الْحِيَل التي يُتَحَيّلُ بها على المحرمات، فنعتبر القصد ولا ننظر إلى صورة العقد) ، (ولا ننظر إلى صورة العقد) لماذا؟ لأننا لو نظرنا إلى صورة العقد قلنا: البيع صحيح، وكل ما يُتَحَايَلْ به على الربا داخلٌ تحت هذه القاعدة وفي هذا المثال، كل حيلةٍ على محرمٍ من ربًا أو غيره حينئذٍ نقول: العقود في ظاهرها صحيحة لكننا لا نتلفت إلى العقد فحسب إنما ننظر إلى المعاني والعبرة هنا بالمعنى وبالسبب وبالقصد إذ هو الذي يفسر، ولذلك كل حيلةٍ تُحِيِّلَ بها إلى الربا فهي محرمة، والعقد باطل لأن العبرة بالمعاني.

قال رحمه الله تعالى: (ومن ذلك: هدايا العمال) . جاء بنص «هدايا العمال غلول» لكنه ضعيف والمعنى صحيح، فإنها لا تحل لهم لأن السبب معروف، واضح السبب، لماذا أَهَدَى إليّ؟ لكوني على وظيفته، لماذا؟ من أجل أن ييسر له فيما يأتي من أمرٍ، (ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قضية ابن اللتبية الذي أرسله عاملًا على الصدقة) في البحرين (وحصل له من الناس هدايا، فقال - صلى الله عليه وسلم - منكرًا عليه: «هلاّ جلس في بيته فينظر أيهُدَى إليه أم لا؟» ) إذًا فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو كذلك أنه ما أُهدي إليه من أجل ذاته وإنما من أجل منصبه، فإذا كان كذلك فالأصل منع هذه الهدايا فترد على أصحابها ولا يجوز أخذها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت