(ومن ذلك نقبل قول المرأة الثقة في الرضاعة ويترتب على ذلك انفساخ النكاح) مع أن المرأة لا يُقْبَلُ قولها في الطلاق؛ لأنها شهادتها حُصِرَتْ في الأموال، وأما في النكاح فلا، لكن لما شهدت بما يجوز لها أن تشهد وترتب على شهادتها حكمٌ لم يكن بأصل قولها جاز. لأنه (يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا) . قالت: أرضعت هذين الزوجين. حينئذٍ فسخ النكاح، الأصل لو أرادت أن تفسخ النكاح بشهادتها استقلالًا لأي سببٍ ما مَا صح، لماذا؟ لأن شهادتها لا تقبل مثل هذه الفسوخ، فإذا كان كذلك نظرنا إلى كونه وقع تبعًا فصُحِّحَ فسخ النكاح، وأما فسخ النكاح استقلالًا بشهادة المرأة فلا يصح، لكن لما شهدت بالرضاعة حينئذٍ يترتب عليه ماذا؟ فسخ النكاح، وثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. (مع أن المرأة لا يُقبل قولها في الطلاق، لكنه جاء تبعًا لقبول قولها في الرضاع، وأمثلته كثيرة) .
إذًا هذه القاعدة (يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا) تابع تابعٌ، يُسحب حكم المتبوع فيعطى للتتابع بشرط أن يكون التابع لو انفصل لا يمكن أن ينفصل وحده، لا بد أن يكون متصلًا بمتبوعه، أما ما ينفصل هذا لا شك أنه له حكمٌ مستقل ولو كان موافقًا للمتبوع.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة الحادية والخمسون: الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة) .
هذا ضابط، وهو داخلٌ تحت القاعدة الكبرى: [إنما الأعمال بالنيات] . أو [الأمور بمقاصدها] . يعني: المقاصد معتبرة في العبادات والعادات والمعاملات والمعاوضات، حينئذٍ لا بد من النظر في مقاصد أصحاب العقود. فقال رحمه الله تعالى: (الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات) .كالهدية (معتبرة) فالقصود في العقود معتبرةٌ على الصحيح، فأعمال المكلَّف وتصرفاته من قوليةٍ أو فعلية تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية التي تترتب عليها باختلاف مقصود الشخص وغايته وهدفه من وراء تلك الأعمال والتصرفات، إذًا لا يُنظر إلى المعاملة فحسب وإنما يُنظر إلى المعاملة وقصد البائع أو المشتري أو المتبرع.
قال رحمه الله تعالى: (يعني: إذا عقد العاقد عقدًا) كبيعٍ وشراء (أو تبرع) بشيءٍ هديةً (وهنا داعٍ وحاملٌ حمله على ذلك اعتبرنا ذلك الذي حمله) إذا ترتب عقدٌ على سببٍ كان السبب له مدخليةٌ في فهم العقد وفقه العقد، وإذا كان تبرعه كهديةٍ وصدقةٍ وهبةٍ كان لسببٍ وداعٍ حاضر حينئذٍ نقول: هذا السبب له تأثيرٌ في فهم هذا التبرع لأنه قد يُرْجع إليه بالنقض كما سيأتي.