وهذه داخلة في القاعدة الأولى المصالح الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عن ما مفسدته خالصة أو راجحة (إذا تزاحمت المصالح قُدِّمَ الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح، وإذا تزاحمت المفاسد، واضطر إلى واحد منها قُدِّمَ الأخف منها) ، (إذا تزاحمت المصالح) مفهومه إذا لم تتزاحم يأتي بها كلها، أليس كذلك؟ إذا لم يكن تعارض بين الواجب والمستحب حينئذٍ يأتي بالمستحب على وجهه وبالواجب على وجهه، إذًا لا يأتي لهذه القاعدة إلا عند التعارض، تعارض ماذا؟ المصالح بعضها مع بعض، وتعارض المفاسد بعضها مع بعض، (إذا تزاحمت) إذًا مفهومه إذا لم تتزاحم فيجمع بين المصالح وهذا هو الأصل فيه، (إذا تزاحمت المصالح) قال: (قُدِّمَ الأعلى منها) . أيضًا إذا تزاحمت المصالح قد يمكنه الجمع بينها إذًا إذا لم تتزاحم المصالح فالأصل الإتيان بها كلها، إذا تزاحمت المصالح ويمكن الجمع بينهما أو بينها حينئذٍ لا يدخل معنا في القاعدة، متى تأتي هذه القاعدة؟ إذا تزاحمت المصالح يعني: تعارضت ولا يمكن الجمع بينها، فلا بد من تقديم وتأخير ماذا تصنع؟ قال: (قدم الأعلى منها فيقدم) . الفاء [للتفريع أو للتفصيل] [1] للتفصِيل (فيقدم الواجب على المستحب) إذا حصل تعارض بين الواجب والمستحب ولم يمكن الجمع لا إشكال أن الواجب مقدم على المستحب، (والراجح) ولذلك جاء قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» . يعني: لئلا يعارض بين النفل والواجب، فإذا قال: أريد أن أصلي. وأقيمت الصلاة نقول: لا تصح صلاتك. ولو كبر لا تنعقد فهي باطلة، لماذا؟ لأنها عارضت واجب لا يمكن تأخيره في هذه الساعة، (والراجح من الأمرين على المرجوح) يعني: ثَمَّ أمران ينبني عليهما مصالح كما كان من شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هدم الكعبة، ترك هدم الكعبة لأمر وإن كان الأرجح عنده ماذا؟ الهدم، ترك الهدم خشية أن يقال ماذا؟ «لولا أن قومك حديثو عهد بإسلام لنقضت الكعبة» . وقال: «لهدمت الكعبة وأعدت بناها على قواعد إبراهيم» . عليه السلام (وإذا تزاحمت المفاسد) أيضًا ولم يمكن الجمع بين دفع الاثنتين ليس الجمع بينهما في العمل لا، ولم يمكن الجمع بين دفع المفسدتين معًا (وإذا تزاحمت المفاسد واضطر إلى واحد منها قدم الأخف منها) .
وارتكب الأخف من ضُرَّيْنِ ... وخيِّرَنْ لدى استوى هذين
(1) سبق.