فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 361

(من أدّى عن غيره واجبًا) من الواجبات، إذًا لا مستحبًا، إنما هو من الواجبات، لكن يقيد هذا الواجب بأنه لا يشترط فيه النية، لا يحتاج إلى نية، لأن المقام مقام عمل عن عمل لا مقام عبادة عن عبادة، يعني: لا ينوي زيد عن عمرو وإنما قد يعمل زيد عن عمرو عملًا ظاهرًا أما الباطن فلا، ولذلك نقيد هذا الواجب بأنه لا يحتاج إلى نية، وأما إذا احتاج إلى نية كالزكاة لا بد من نية المزكي فلا يجزئ على الصحيح مطلقًا أن يؤدي زيد عن عمرو الزكاة دون وكالة أو إذن منه، وأما إذا أداها هكذا من عند نفسه فحينئذٍ نقول: هذا لا يصح. إذًا (من أدّى عن غيره واجبًا) يشترط في هذا الواجب أن لا يحتاج إلى نية فإن احتاج إليها كالزكاة مثلًا فلا يصح الأداء ولا يجزئ، لأن دين الله تعالى يحتاج إلى نية، أما دين الآدمي فلا يحتاج إلى نية فيصح منه، لو أدَّى زيد عن عمرو دينًا يعلم أن له دينًا عند خالد فأداه عنه دون علمه صح أم لا؟ صح أجزأ، لكن تبقى مسألة هل له أن يرجع إلى صاحب الدين الذي عليه الدين فيأخذ ما دفعه أم لا؟ هذه القاعدة لهذا العمل. قال: (من أدّى عن غيره واجبًا بنية الرجوع عليه رجع) . إذًا إذا أدَّى زيد عن عمرو دينًا ونوى في حال السداد أنه يرجع إليه يعني: يذهب إليه ويطالبه بالمال. رجع جاز له أن يطالب (وإلا فلا) يعني: وإلا ينوي الرجوع فلا يرجع. فليس له حق، كذلك وإلا ينوي شيئًا عندنا أمران متقابلان:

(بنية الرجوع عليه رجع) .

وإلا) يعني: وإلا ينوي الرجوع. هذه تصدق بحالين:

إما أن ينوي التبرع هذا السداد.

وإما أن لا يستحضر شيئًا في قلبه.

إذًا تحته صورتان في هاتين الصورتين قال: (فلا) . يعني: فلا يرجع. فلا يستحق لو طالب لا يلزمه إعطاؤه. (من أدّى عن غيره واجبًا بنية الرجوع عليه رجع، وإلا فلا) يعني: من أداه بغير نية الرجوع لم يرجع فهو يدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» . لأنه نوى به التبرع أو لم ينو شيئًا، حينئذٍ له حكم الهبة فإذا كان كذلك فليس له أن يرجع البتة (قال الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] ) وجه الاستدلال أن الإرضاع وقع ولم تذكر فيه مشارطة بين الأم والأب يعني: ( {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} ) أيها الآباء ( {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ) ولم يذكر مشارطة هنا، حينئذٍ فإن نوت الأم أنها إنما كانت ترضع ولد زوجها وإن كان ولدها أنها ترجع إليه فتأخذ الأجرة صح لها الرجوع وإلا فلا، يعني: حتى للرضاعة. حتى في الرضاعة إذا طلق زوج زوجته وعنده رضيع حينئذٍ الرضاعة على من؟ النفقة على الزوج، حينئذٍ إما أن يأذن لأمه أن ترضعه وإما أن يوجد مرضعة، وقد تأخذه أمه بأجرة وعلى الأب الأجرة، فحينئذٍ إن وقعت مشارطة بينهما لا أرضع ولدك إلا بـ - وهو ولدها قد تصل النفوس إلى هذا - لا أرضع لك ابنك إلا بأجرة، فحينئذٍ لزمه أو لا؟ يلزمه، هنا قال: ( {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ) . فالإرضاع وقع ولم تذكر فيه مشارطة، فإن نوت الأم بهذا الإرضاع الهبة وعدم المطالبة بالأجرة كان ذلك، وإن نوت عند الرضاعة أن تطالب بأجرتها فلها الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت