حينئذٍ لا بد من أمرٍ جديد يدل على إيقاع العبادة مرةً أخرى، لأن الله تعالى إنما حدد الوقت للصلاة أو غيرها لحكمةٍ يعلمها هو جل وعلا، وليس عندنا هذه العلة لأنه يكون من باب القياس، إذا حدد الله عز وجل الساعة الثانية عشرة مثلًا إلى الساعة الثالثة وقت الظهر حينئذٍ إيقاع الصلاة بعد الساعة الثالثة كإيقاعها قبل الثانية عشر لا فرق بينهما، وإنما جاء النص فيمن أوقع الصلاة خارج وقتها وكان ثَمَّ عذرٌ فقط «من نام أو نسي» . وأما الدلالة بأن هذا النص يدل على أن المتعمد من بابٍ أولى فهذا غلط وليس بصحيح، هذا كما يقوله ابن حزم: من أفسد أنواع القياس، إذ قيس فيه معذورٌ شرعًا وهو النائم والناسي على الفاسق، أو قيس العكس قيس الفاسق على الناسي الذي هو معذور، لأنه ماذا فعل قاس المتعمد هذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها ما حكمه في الشرع؟ قطعًا أنه فاعل كبيرة وأنه فاسق والصحيح أنه يكفر، لكن على هذا القول بأنه فاسق حينئذٍ: قيس هذا النوع على من نسي أو نام، كيف هذا؟ لا يصح القياس هذا، هذا قياسٌ فاسدٌ. إذًا نقول: إخراج الصلاة عن وقتها عمدًا كفعل الصلاة قبل وقتها، ومن صام بعد رمضان عمدًا دون عذر شرعي كمن صام في شعبان، شعبان الذي قبل رمضان حينئذٍ نقول: هذا يدل على أن الشرع إنما قيد هذه المأمورات بهذا الوقت ابتداءً وانتهاءً لحكمة يعلمها هو، فإذا جوزنا إيقاع الصلاة بعد خروج وقتها فقد قسنا الزمن الذي بعد خروج الوقت على الزمن الذي عَيَّنَه الشارع وهذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العلة غير معلومة، وهذا مقامه التعبد، كمن يقيس غير عرفة على عرفة يصح أو لا يصح؟ لا يصح، مثله من يقيس غير منى على منى، أو لا؟ الحكم واحد؛ لأن العلة غير مدركة، العلة هنا غير معقولة، أمر تعبدي حينئذٍ نقول: لا يصح أن يقال: بأن من فعل الصلاة بعد وقتها صلاته صحيحة، إلا إذا كان معذورًا، ولذلك عائشة رضي الله تعالى عنها لما سُئِلَتْ: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كنا نُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. هذا دليل القاعدة، وهو استدلالٌ واضح بين لا يُنكره إلا مكابر أو مجتهد فلا نتعدَّى، كنا نؤمر بقضاء الصوم مع وجود قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ، مع قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} [البقرة: 185] إذًا: الأدلة هذه تدل على الأداء ولا تدل على القضاء، فلما أفطرت لعذرٍ في رمضان احتاجت إلى دليلٍ آخر فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم. ولم تنظر إلى الأدلة السابقة بأنها دلت على الأداء والقضاء معًا. ولا نُؤمر بقضاء الصلاة. مع وجود الأدلة الدالة على الأمر بالصلاة. إذًا: الأدلة الدالة على الأداة لا تدل على القضاء، وإنما نحتاج إلى دليلٍ آخر. فقوله: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [البقرة: 43] يدل على إيقاع الصلاة في أوقاتها المحددة شرعًا لها، وإيقاع الصلاة بعد خروج وقتها هذا قضاء يحتاج إلى دليلٍ آخر، والأدلة السابقة لا تدل، ولذلك قالت: ولم نؤمر بقضاء الصلاة.