قال رحمه الله تعالى: (ومن فعل المحظور) المنهي عنه يعني: محرم، فإما أن يكون متعمدًا وإما أن يكون معذورًا. إن كان متعمدًا حينئذٍ يأثم، لا بد من الإثم، وإن كان معذورًا بجهلٍ أو نسيان لا إثم، يَسقط عنه الإثم، وكذلك المأمور به إذا تركه لعذرٍ حينئذٍ: لا يَأْثَم، وإنما يأتي به إذا لم يكن، إنما يأتي به مطلقًا سواءٌ كان مؤقتًا أو لا، هذا إذا كان معذورًا، واضح هذا؟
قال رحمه الله تعالى: (ومن فعل المحظور، وهو معذور بجهل، أو نسيان فهو معذور لا يلزمه شيء) وهذا يُقَيَّد معذور عند من؟ في حقوق من؟ في حقوق الله عز وجل، وأما في حقوق الآدميين فلا بد منه، فلو اعتدى وقتل حينئذٍ لا بد من الضمان، فلو اعتدى وأحرق مالًا لا بد من الضمان.
قال هنا: (فهو معذور لا يلزمه شيء) يريد أن يبين بهذه القاعدة أن هناك فرقًا أو فرقٌ بين ترك المأمور وفعل المحظور، فرق بين من ترك المأمور وفعل المحظور بينهما فرقٌ، فترك المأمور لمن تركه بعذرٍ لا يَأْثَم، إذا تركه بعذرٍ لا يأثم، كمن نام عن صلاةٍ حتى خرج وقتها. حينئذٍ نقول: لا يأثم لكنه لا يبرأ حتى يأتي بالمأمور «من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها» . جاء أمرٌ جديد، ولذلك نقول: إذا ترك المأمور المؤقت حتى خرج وقته فحينئذٍ: لا يشرع له القضاء؛ لأن الصحيح عند الأصوليين أن القضاء لا يُشرع إلا بأمرٍِ جديد، وأما الأمر السابق فلا يدل إلا على الأداء فحسب، لأن القضاء حكمٌ آخر، حكمٌ شرعيٌ آخر، والأداء حكمٌ شرعيٌ أَوَّلِي حينئذٍ: إذا جاء الأمر ولم يأت دليل يدل على جواز إخراجه عن وقته أو قضائه بعد خروج وقته حينئذٍ نقول: الأصل عدم المشروعية، فلو صلَّى بعد خروج الوقت وقد تركها عامدًا متعمدًا لا لعذرٍ شرعي صلاته باطلة لا تصح لا تنعقد أصلًا، وكذلك لو أَفْطَرَ يومًا من رمضان أو أكثر ولم يكن ثَمَّ عذرٌ شرعيٌ حينئذٍ: لو صام ألف يومٍِ لا يقضي ذلك اليوم، بل ولا ينعقد. إذًا يُريد أن يفرق يبين بهذه القاعدة أن هناك فرقٌ بين ترك المأمور وفعل المحذور، فترك المأمور لمن تركه بعذرٍ لا يأثم لكنه لا يبرأ حتى يأتي بالمأمور، وأما فعل المحظور فإن فعله وهو معذورٌ لا يلزم به شيءٌ لا إِثْمٌ ولا غيره عند بعضهم، لكن إذا كان ثَمَّ شيءٌ يتعلق بالكفارة كالحج مثلًا فحينئذٍ: لا بد من الكفارة.
قال رحمه الله تعالى: (وهذا الفرق ثابتٌ بالسنة الصحيحة في صورٍ عديدة، والصحيح: طرده في جميع صورهم إلا ما يتعلق بضمان المتلفات فإنه من خطاب الوضع) . يعني: هذه المسألة لا تُعارض الضمان، هذه القاعدة لا تعارض الضمان، إذا قيل: لا يأثم لا يلزم منه ألا يجب الضمان، أليس كذلك؟ لأن رفع الإثم هذا متعلقٌ بخطاب التكليف، والضمان إيجابٌ متعلق بخطاب الوضع. إذًا: لا يلزم من عدم الإثم عدم الضمان (كما اختار ذلك شيخ الإسلام) رحمه الله تعالى (وغيره) .