إذًا الحقوق الثابتة مطلقًا تجوز المصالحة عليها بعوض ولا إشكال فيه، والدليل على ذلك لعموم هذا الحديث «الصلح جائز» . الصلح أل هنا تفيد العموم، فكل نوع من أنواع الصلح بين الناس فيما تعارفوا عليه فهو جائز نافذ، أيضًا ولعدم المحظور الشرعي إذا تراضيا ولم يكن ثَمَّ ميسر ولم يكن ثَمَّ قمار ولم يكن ثَمَّ غشش ونحو ذلك حينئذٍ نقول: (ولعدم المحذور الشرعي) فالأصل المعاملات الحل والإباحة وهذه معاملة لأنه انتقل من عقد إلى عقد، انتبه، يعني: عندما يتصالح معه هو ينشأ عقدًا ثانيًا غير العقد السابق، والأصل في العقود الإباحة والحل، ولذلك قال: (ولعدم المحذور الشرعي) لحصول الإسقاط برضا الطرفين. قال: (وكذا لو صالحه عن دم العمد في النفس) الأصل أن القاتل عمدًا يُقتل قصاصًا لكن جاء وصالح أهل الأولياء أو أولياء المقتول حينئذٍ لم يعفوا وأرادوا المطالبة بالدية أضعاف مضاعفة مرتين أو ثلاثة أو سبعة من أجل ماذا؟ أن يرفعوا عنه حكم القصاص، إما أن تدفع الدية مضاعفةً، أصل الدية مائة إبل، مائة من الإبل هذا الأصل، فحينئذٍ يعدلون عن القصاص إلى المصالحة على مضاعفة الدية، أما الدية فهي حكم شرعي جاء بها لكن هنا الكلام في ماذا؟ أنهم يعفون من أجل مضاعفة الدية مرة أو مرتين أو ثلاثًا، نقول: هذه مصالحة جائزة ولا بأس بها، ولو سبع أضعاف الدية لا بأس بها لعموم النصوص، (لو صالحه عن دم العمد في النفس) نقول: الأصل أن القاتل عمدًا يقتل إلا أن يعفوا أولياء المقتول فإن لم يعفوا أولياء المقتول واصطلحوا على أن يدفعوا الدية مرتين أو أكثر جاز. قال: (في النفس) . هذا واضح (وما دونها) أي: من الأعضاء. كما لو اعتدى على عين زيد، والعين بالعين قالوا: نصطلح معك على مال كذا. نقول: لا بأس به. (وما دونها) يعني: وما دون النفس من الأعضاء كقطع يده ونحوها (فهو جائز) قال: (وكذلك لو صالحه عن المجهول من الديون والحقوق بشيء معلوم جاز) . شريكان بينهما ديون متداخلة لا يدري أحدهما كم للآخر، فإبراءً للذمة قال: تعالى نصطلح أعطيك كذا وتعطيني كذا جاز أم لا؟ جاز، والديون مجهولة بمعنى أنها متداخلة لا يدري كم له وكم عليه، وحينئذٍ نقول: المصالحة هنا بإعطائه أو إسقاط شيء من الدين جائزةً، ولذلك قال: (وكذلك لو صالحه عن المجهول من الديون) . انتبه (والحقوق بشيء معلوم جاز) . قال الشيخ هنا: (تكون بين اثنين معاملة طويلة فيها ديون مجهولة متداخلة فيجلسان ويتفقان على شيء معلوم يبرئ أحدهما الآخر فهذا جائز) . قال رحمه الله تعالى: (ومن هذا مصالحة أحد الزوجين الآخر عن بعض الحقوق الزوجية) . الزوجية منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فللزوج على زوجته حقوق وللزوج [نعم] فللزوج على زوجته حقوق وللزوجة على زوجها حقوق، قد يحصل تقصير لكن يصطلحا حينئذٍ نقول: الصلح جائز. بل الآية جاءت في سياق ( {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} ) فيما يكون بين الزوجين لكن هنا قال: (ومن هذا مصالحة أحد الزوجين الآخر عن بعض الحقوق الزوجية) .