هذا يجوز لكن: ( {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} ) ، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي، ثم ذكر العفوَ فقال: ( {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} ) . عفا عمن؟ عمن ظلمه، ( {فَمَنْ عَفَا} ) أي: عمن ظلمه، ( {وَأَصْلَحَ} ) بالعفو بينه وبين ظالمه، ( {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ) يعني: عظيم. يعني: كما جاء في شأن الصبر: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] كذلك ( {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ) لكن هذا قيد، قوله تعالى في سورة آل عمران: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] . أطلق، وهنا قال: ( {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} ) . هناك أطلق فيشمل: الإصلاح وغيره: وهنا: قيد، ويجب تقييد المطلق في آل عمران بهذه التي في الشورى، إذًا {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} إن كان العفو فيه إصلاح، مفهوم المخالفة أن العفو إذا لم يكن فيه إصلاح فليس بمشروع، وليس بفضل، لماذا؟ لأن العفو إنما يراد به لإصلاح المعفو عنه، وأما إذا كان يزيده إجرامًا وظلمًا وتعديًا على الناس هذا ليس بعفو، هذا يعتبر من الفساد في الأرض، ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: قوله: {وَأَصْلَحَ} ، أي: إن كان عفوه إصلاحًا، وهذا القيد معتبر في جميع النصوص الدالة على فضيلة العفو، يعني: ما يأتي نص في القرآن فيه فضل العفو دون قيدٍ فَقَيِّدْهُ بهذا القيدِ، يعني: عفا وأصلح، قال: وهذا القيد معتبر في جميع النصوص الدالة على فضيلة العفو، وأنه لا بد أن يكون العفو مشتملًا على الإصلاح، وأما العفو بلا إصلاح فإنه عجز وليس بمحمودٍ، بل قد يكون من الفساد في الأرض، ولهذا يقول: لو أن جانيًا جنا على شخص وهو ممن عُِرفَ بالشرِّ والعدوان فليس من الأصلح العفو عن القاتل، لا يبالي بأحد، يقتل هذا، ويبطش بهذا، ويعتدي على هذا، سفيه هذا إذا فعل مثل هذه الأشياء مما يترتب عليها الكفارات والقصاص أو نحو ذلك فحينئذٍ: العفو هنا غير محمود، لأنك لو عفوت عنه لازداد في جرمه وفحشه وشره، ولكن هذه الزواجر التي شرعها الله عز وجل من سابع سماء تأديبًا لمثل هذه الأصناف، حينئذٍ: إذا عُفي عنه نقول: ليس هناك فائدة، وليس هذا العفو بإصلاح، وإنما يكون إفسادًا، لأنه يزيده على غيه وظلمه، وأما إذا كان الذي جنى يُعتبر هذا الفعل في شأنه زَلةً وخطئًا، ولم يكن مقصودًا، ولم يكن من ديدنه ذلك، حينئذٍ يأتي العفو، يقولون: لو أنَّ جانيًا جنا على شخص وهو ممن عرف بالشرِّ والعدوان فليس من الأصلح العفو عنه، لأنه بالعفو عنه يتمادى في شره، أمَّا لو حصل العدوان من شخصٍ معروف بالاستقامة، وعدم العدوان على الغير، لكنها زلة وقعت منه فالعفو هنا إصلاح، ومن ذلك حوادث السيارات.