فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 361

إذًا مكلف برد مثله أو قيمته إليه إذا تم الإتلاف من دون إذنه، ودليل القاعدة قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] نص واضح بين وسيأتي في كلام المصنف كذلك في قتل الخطأ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} سماه اعتداءً من باب المشاكلة وإلا هو ليس باعتداء، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} والاعتداء في الآية شامل للنفوس والأموال، والمقصود بالاعتداء بالمثل هو الأخذ بالمثل أو بالقيمة. إذًا سُمِّيَ اعتداءً من باب المشاكلة، وإلا ليس باعتداء، وإنما هو أخذ لحقه {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} فحينئذٍ يضمن، وهذا يشمل الإتلاف الذي يكون في النفوس أو للأموال، ومن السنة حديثه - صلى الله عليه وسلم - حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» . سوَّى بين المال والدم، كما أن الدم لا يقع هدرًا كذلك المال لا يقع هدرًا، كما أن الدم يضمن كذلك المال يضمن، هذا وجه الاستدلال، فإتلاف مال المسلم لا يذهب هدرًا كما أن دمه لا يظهر هدرًا فلا بد من ضمانه له. قال رحمه الله تعالى: (الإتلاف) . إذًا عرفنا الإتلاف أنه من فعل الإنسان (يستوي فيه المتعمد، والجاهل، والناسي) فكل من أتلف مال غيره حينئذٍ نقول: هذا ضامن سواء كان متعمدًا قاصدًا أو لم يكن متعمدًا لم يكن قاصدًا بل مخطئًا، أو لم يكن معه عقله كالناسي حينئذٍ يستوي الضمان لا فرق بينهما، (وهذا شامل لإتلاف النفوس المحترمة، والأموال، والحقوق) لعموم الآية السابقة، فكل من أتلف شيئًا لمسلم ضمنه، هذا الأصل بغير إذنه. قال هنا: (فمن أتلف شيئًا من ذلك) . يعني: من النفوس والأموال والحقوق. (بغير حق) هذا قيد لأنه قد يتلفه بحق (فهو مضمون) وهذا الضمان من حكم الوضع يعني: ليس من خطاب التكليف، ومر معنا أن خطاب الوضع لا يُشترط فيه أن يكون المخاطب مكلفًا، بل يتعلق بالمكلف وغير المكلف، إذا فهمت هذه تعرف لماذا سوِّيَ بين الناسي والمتعمد والمخطئ لأن الضمان من قبيل خطاب الوضع، وخطاب الوضع لا يختص بالمكلف كما هو الشأن في خطاب التكليف، لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا غير مكره غير ملجئ غير غافل من مراعاة أحواله، وأما خطاب الوضع فلا، فكل من وجد السبب في حقه ترتب عليه المسبب، فهو ربط الأحكام بأسبابها بقطع النظر عن الفاعل سواء كان الفاعل مكلَّفًا أم لا، هذا وجهه، إذًا فهو مضمون من حكم الوضع ترتب فيه الحكم على السبب، لأن الحكم الوضعي هذا شأنه ترتب فيه الأحكام على أسبابها وشروطها وأوصافها، فالضمان من خطاب الوضع إذا وُجِدَ السبب وجد الحكم بقطع النظر عن هذا المتلف للشيء الذي ترتب عليه الضمان، عاقلًا أو مجنونًا، ذاكرًا أو ناسيًا، عامدًا أو مكرهًا، لأنه حكم يتعلق بسببه، للخطاب الوضع يتعلق بالمكلف وغيره، والضمان شيء والإثم شيء آخر، لأن البعض قد يستدل بكون الصبي لا يأثم أنه لا يضمن، أليس كذلك؟ إذا أتلف صبي مال أحد من المسلمين بل حتى غير المسلمين لو أتلف مالًا لإنسان حينئذٍ نقول: يأثم الصبي؟ لا يأثم، لماذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت