بناءً على القاعدة المشهورة وهي التي قعدها الشيخ كذلك في (( القواعد الحسان في تفسير القرآن ) )أن اللفظ إذا كان مشتملًا لعدة معانٍ حينئذٍ يحمل اللفظ على جميع المعاني بشرط أن لا تكون هذه المعاني متضادة، لأن حمل المشترك على المعنيين أو معانيه هو الصحيح عند الأصوليين وعند أهل اللغة كذلك، وهو القاعدة المطرة في (( تفسير القرآن ) )ينبني عليها أنه لو عُلِّقَ حكمٌ شرعي على لفظٍ مشترك وكانت معانيه متعددة غير متباينة حينئذٍ يُحمل الحكم على جميع المعاني، ومن ذلك المسجد الحرام يُطلق ويراد به مسجد البناء مسجد الكعبة، ويُطلق ويراد به الحرم كله، وجاءت النصوص دالة على أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة هل نخصه بالمسجد الكعبة، يعني: البناء أو نعمم؟ نقول: يُطلق على هذا وذاك استعمال الشرع وإذا كان كذلك وليس ثم قرينة تدل على التخصيص نحمله على المعنيين، ونقول: هنا الصلاة في الحرم كله ولا تختص بالمسجد الحرام الذي هو البناء، فنعمم الحكم بناء على أن مسمي المسجد الحرام هو الحرم كله، فكل مسجد داخل الحدود تكون الصلاة فيه بمائة ألف صلاة. قال: (ولا شك أن ذلك داخل في فصل الخطاب) فهو شامل له ولغيره (لأن الفصل بين الحق والباطل في الديانات والأموال والحقوق) فهو الصواب في الحكم مطلقًا. قال رحمه الله تعالى: (فكل من ادَّعَى عينًا) جاء التفريع قرر لنا القاعدة وبين دليلها ثم قال: (فكل) الفاء هذه تفريع، ما معنى التفريع؟ يعني: يتفرع عن ذلك الأصل مسائل وهي الجزئيات، قاعدة عامة كلية ولها جزئيات، الآن شرع في بيان بعض الجزئيات (فكل من ادَّعى عينًا عند غيره) كسياراتٍ أو أرضٍ أو بيت ونحوه (أو دينًا على غيره) عينًا، قلنا: ما هي الدعوى؟ طلب استحقاق شيءٍ في يد غيرٍ عينًا (أو دينًا على غيره) أو في ذمته، لأن الدين يكون متعلق بالذمة (أو حقًا من الحقوق على غيره) كالنفقة الزوجة مثلًا ادَّعت على الزوج أو المبيت ونحو ذلك (فعليه البينة) على من؟ على الْمُدَّعي، كل من ادَّعَى على غيره عينًا أو دينًا أو حقًّا (فعليه) يعني: يجب عليه (البينة، وهي) نريد أن نعرف ما هي البينة التي ينبني عليها الحكم الشرعي لأننا سنثبت بهذه البينة أن الحق له، إذًا لا بد أن ننظر في حقيقة هذه البينة. قال: (وهي) أي: البينة وفيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح ما ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى (وهي كل ما أبان الحق) ، (كل ما) ، (ما) اسم موصول بمعنى الذي، فيصدق على الشهود وغير الشهود، فلا تختص البينة بالشهود، وإنما تعم كالقرائن التي تكون مصاحبة للحال نفسها، أو للمُدَّعِي أو للمُدَّعَى عليه، فالقرائن حينئذٍ تكون معتبرة وليست بشهود، إذًا (كل ما أبان الحق) فليست محصورةً في الشهود فقط، بل (كل ما أبان الحق فهو بينةٌ) قال: (ويختلف نصابها وحالها باختلاف المشهود عليه) ، (كل ما أبان الحق) هذا قولٌ، وأكثر أهل العلم على أن البينة محصورة في أشياء، وهي البينة رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شاهدٌ مع يمين صاحب الحق، هذه ثلاثة أشياء:
رجلان، بينة ما هي؟
إما أن يأتي بشهادة رجلان
أو رجل وامرأتان
أو شاهدٌ مع يمين صاحب الحق.