إذًا كل صبي فعل فعلًا وترتب على هذا الفعل كفارة فحينئذٍ تلزمه الكفارة، وكذلك النفقات لو ورث صبي مالًا وكان ثَمَّ من تجب عليه النفقة من الصبي وجب في مال الصبي أن ينفق على قريبه، فحينئذٍ نقول: هذا من خطاب الوضع وليس من خطاب التكليف. فحينئذٍ الصبي قد يجب عليه أو تجب عليه النفقة على من يجب عليه نفقته، وذلك لأنه متعلق بالمال والشيء المتعلق بالمال لا بذات الشخص حينئذٍ نقول: هذا من ربط الأحكام بأسبابها. والتبرعات هذا واضح بَيِّن، ثم ذكرنا القاعدة التاسعة وهي [العادة محكمة] وإن عبر عنها المصنف بتعبير آخر شارحًا بها شارحًا بكلامه القاعدة، فقال رحمه الله تعالى: (العرف والعادة يرجع إليه في كل حُكْمٍ حَكَمَ الشارع به، ولم يحده) . عرفنا أن العرف والعادة أن بنيهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، فكل عرف عادة ولا عكس، والعرف في الاصطلاح ما استقر في النفوس واستحسنته العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول واستمر الناس عليه مما لا ترده الشريعة وأقرتهم عليه، ولذلك قلنا: مأخوذ من ماذا؟ من الشيء الذي تسكن إليه النفس، لا يكون العرف عرفًا إلا إذا اطمأنت النفوس إلى هذا الأمر، وكذلك إذا قبلته العقول فلم ترده ولم يخالف شرعًا، والعادة غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها، كما قال القرافي وغيره، حينئذٍ نقول: بين العرف والعادة عموم وخصوص مطلقًا، فالعادة أعم مطلقًا من العرف، والعرف أخص مطلقًا إذ هو عادة مقيدة، لأن العادة قد تكون فردية، يعني: خاصة بشخص بأن يفعل الشيء مرة ثم يكرره مرةً ثانية، فثبتت العادة في حقه لكن لا يكون عرفًا، إذًا متعلق العادة الأفراد حينئذٍ تكون عادة فردية، وكذلك متعلق العادة الجميع أو الغلبة الكثرة حينئذٍ نقول: هذه عادة مشتركة، وأما العرف فهو عادة الجمهور، حينئذٍ يكون عادة مشتركة، إذا عرفنا هذا النوع بأن العادة يدخل تحتها أمران أو فردان، فردية ومشتركة، والعرف خاص بالمشتركة، حينئذٍ صارت العادة أعم من العرف، وما اشتهر عند الفقهاء بأن العادة محكمة هو الذي عناه المصنف بقوله: (يرجع إليه) . يعني: العادة أو العرف. وذكر أفرد الضمير مع كونه قال: (العرف والعادة) . باعتبار المذكور (يرجع إليه في كل حُكْمٍ حَكَمَ الشارع به) والحكم والتحكيم هو القضاء والفصل بين الناس عند النزاع، فحينئذٍ تُثْبَتُ الأحكام على وفق ما تقتضي به العادة والعرف، وهذا كما ذكر المصنف أن الله تعالى إذا حكم بشيء على شيء إما أن يكون المحكوم به مُفَسَّرًا في الكتاب والسنة حينئذٍ صارت له حقيقة شرعية، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يجوز العدول بذلك اللفظ عن معناه الذي وضع له في الشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوها، هذا مما حكم به الشارع وفسره يعني: بينه، بين الكيفية، والنوع الثاني: أن يحكم الشارع بحكم من الأحكام الخمسة ولكن لا يبين شأن المحكوم عليه، فحينئذٍ نقول: هذا مرده إلى العرف، ثم قد يصرح به الرب جل وعلا فيأمر بالرجوع إلى العرف كما قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] . وقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] .