الفائدة الرابعة أو الضابطة الرابعة قال: (ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك) . ذكر ثلاثة أشياء، التكليف والرشد والملك، شرط لصحة التبرع، وإن كان الملك شرط للكل للجميع، لأنه لا يصح أن يتصرف شخص ما ببيع أو شراء أو هِبة أو هدية إلا فيما يملك، وإنما المراد هنا الملك ملك التبرع بمعنى أنه يصح له أن يتبرع، هذا الذي أُريد، أي: ملك التبرع. يعني: يشترط أن يكون مما يملك التبرع، احترازًا ممن يصح تصرفه في مال غيره دون تبرعه، ولي اليتيم يصح أن يتصرف في مال اليتيم بالبيع والشراء لمصلحة اليتيم، لكن هل يحق له أن يتبرع؟ الجواب: لا، إذًا لا يملك التبرع، مع كونه يملك التصرف، إذًا ليس كل من ملك التصرف ملك التبرع، هذا المراد بشرط المصنف هنا، كولي اليتيم فإن تصرفه في مال اليتيم صحيح أما تبرعه فلا، لأنه لا يملك التبرع، وكذلك على القول الراجح المحجور عليه لفلس فإنه لا يملك التبرع، وكذلك المدين الذي له غرماء وعنده مال حينئذٍ لا يصح له أن يتبرع.
إذًا هذه أربع قواعد أو ضوابط مهمة. قوله في الأمثلة: (ويستثنى من هذه العبادات المالية كالزكوات، والكفارات والنفقات) أما الزكوات فهذا كما ذكرنا أنها تجب في مال الصبي والمجنون، بمعنى أنها من خطاب الوضع، وخطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف، وأما الكفارات فهنا سوى المصنف بين المكلَّف وغير المكلَّف، وهذا هو الصحيح، انتقد بعضهم بأن الكفارات إنما تكون على من يأثم، وإما أن يفعل أن يترك واجبًا أو يفعل محرمًا، إذا كان الأمر كذلك حينئذٍ الصبي غير مكلف، وإذا كان الصبي غير مكلف حينئذٍ إذا فعل محرمًا ترتب عليه كفارة فلا كفارة، قد قال به بعض أهل العلم، والصواب أن الكفارات كالزكوات من ربط الأحكام بأسبابها، وأما الإثم وعدمه فهذا نعم، لا إثم على الصبي إذا فعل محظورًا أو ترك واجبًا، لكن لا يلزم من رفع الإثم رفع الكفارة، ولا يلزم من إثبات الكفارة إثبات الإثم، بمعنى أن الجهة منفكة قد تلزمه الكفارة كما لو قتل صبي قتلًا خطئًا والصبي عمده كخطئه، حينئذٍ لو قتل هل تلزم الدية؟ الجواب: نعم، لماذا؟ هل يأثم أولًا؟ نقول: لا يأثم، لو قتل لا يأثم، لماذا؟ لأن القتل محرم وهذا غير مكلف، إذًا غير مخاطب بالنهي. ثانيًا هل تلزمه الكفارة؟
الجواب: نعم، ولا تعارض، كيف يقال بأنه لا يأثم ونلزمه بالكفارة؟ نقول: لا يأثم لأن الخطاب خطاب تكليفي، والصبي مرفوع عنه القلم، وتلزمه الكفارة لأن الخطاب خطاب وضع ولا يشترط فيه التكليف.