الثاني: بعد هذا بعد معرفة الحدّ والتفسير يُحكم عليها بأحد الإحكام الخمسة، فإذا وجدنا الشارع قد حكم عليها بإيجابٍ أو استحباب أو منعٍ أو إباحة، فإن كان قد حدها وفسرها كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوها رجعنا إلى ما حده الشارح كما رجعنا إلى ما حكم به، فلا فرق بينهما، فقد أمر بالصلاة وبين الصلاة وشرحها، أمر بالصيام وبين الصيام وشرحه، فكما أخذنا الحكم وهو الوجوب وجوب الصيام، كذلك نأخذ التفسير وهذا شرعٌ وهذا شرعٌ. إذًا قد يحكم الشارع على شيءٍ فيفسره فيجب علينا نحن المكلفون أو المكلفين أننا نعتبر الحكم ونعتبر كذلك التفسير. قال هنا: (وأمّا إذا حكم عليها الشارع، ولم يحدها) يعني لم يفسرها: (فإنه حكم على العباد بما يعرفونه، ويعتادونه) وحينئذٍ تكون العادة محكمة. ... (وقد يصرح لهم بالرجوع) إذًا منه ما حدّه لهم. الثاني: ما لم يحده لهم، ثم هذا على نوعين منهم أو منها ما يصرح لهم بالرجوع إلى العرف ... ( {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] ) صرح بماذا؟ بأنهم يرجعون إلى العرف، وبعضها لا، أمرهم ولم يصرح لهم بالرجوع إلى العرف فهو داخل تحت القاعدة، فإنه حكم على العباد بما يعرفونه ويعتادونه (وقد يصرح لهم بالرجوع إلى ذلك كما في قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] . وقد يدخل في ذلك المعروف شرعًا، والمعروف عقلًا، مثل قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] ) الشرعي والعقلي (ويدخل في هذا الأصل مسائل كثيرة جدًا منها: أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين) ، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] واجب أو لا؟ واجب، هل فسر الإحسان؟ الجواب: لا. ما معنى عدم تفسيره للإحسان؟ نقول: هذا فيه ردٌّ إلى ما تعارفه الناس في الإحسان للوالدين، وهذا يختلف، يختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأماكن، وقد يكون عند هؤلاء ما هو عقوق ويكون عند الآخرين ما هو إحسان، فحينئذٍ نقول: مرده إلى العرف، والعرف يختلف من بلد إلا بلد، ومن زمنٍ إلى زمن. (والأقارب) كذلك أمر بالإحسان إليهم، وبالصلة صلة الرحم لكنه لم يبينها، فهي واجبة في الجملة أو مستحبة وحينئذٍ يكون العرف هو المحكم في تحديدها، (والجيران واليتامى، والمساكين،) (وكذلك أمر بالإحسان إلى جميع الخلق) {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] (فكل ما شمله الإحسان مما يتعارف الناس) أنه إحسان (فهو داخل في هذه الأوامر الشرعية؛ لأن الله أطلق ذلك، والإحسان ضد الإساءة) يعني: أمر يدرك من جهة اللغة وأمرٌ يدرك من جهة العقل وأمر يدرك من جهة العادة والعرف (والإحسان ضد الإساءة) وضد أيضًا لعدم الإحسان ولو لم يكن إساءة.
إذًا ما يقابل الإحسان شيئان:
الشيء الأول: عدم الإحسان، هذا يسمى ماذا؟ يقابل الإحسان، كذلك الإساءة تقابل الإحسان. إذًا بالفعل أو بعدمه، فكلاهما يُسَمَّى عدم إحسان. و (في الحديث الصحيح: «كل معروف صدقة» ) كل هذا عام، معروف الصدقة، المعروف الشرعي والمعروف العرفي، (ومن ذلك أن الشارع اشترط الرضا في جميع عقود المعاوضات) وهذا يأتينا إن شاء الله تعالى غدًا.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أسئلة: