الفرق بين العرف والعادة هما بمعنى واحد من حيث المصدق، أي: من حيث ما يدل عليه لفظهما ويصدقان عليه، وهو العادة المعروفة، وإن اختلفا من حيث المفهوم، وعند الفقهاء العرف والعادة بمعنى واحد، لأن العادة تنشأ بتكررها مرة بعد أخرى واستمرارها يجعلها تستقر في النفوس فتسمى عرفًا، إذا تلقته الطباع السليمة بالقبول واستحسنته العقول وجرى عمل الناس به وهذا هو العرف المعتبر أو العادة المعتبرة. إذًا يتكرر الشيء فيكون عادة فتسكن إليه النفوس وتطمأن وتقبله العقول ولا ترده ولا يخالف الشرع فيصير عرفًا، واضح هذا؟ هنا قال: النسبة بين العرف والعادة العموم والخصوص المطلق، لأن العادة أعم مطلقًا والعرف أخص، إذ هو عادةٌ مقيدة فكل عرفٍ هو عادة من غير عكس، يعني: ليس كل عادة عرفًا لماذا؟ لأن العادة قد تكون فردية أو مشتركة، فردية يعني: مرةٌ واحدة عاد الأمر مرة واحدة يسمى عادة ولا يسمي عرفًا، إذًا العادة قد تكون فردية وقد تكون مشتركة، والعرف هو عادة الجمهور فهو عادة مشتركة، قوله هنا: (يرجع إليه في كل حكم) هذا تفسير لقولهم: العادة محكمة. ما المراد بالمحكمة؟ يرجع إليها في كل حكمٍ، هذا المراد بها، اسم مفعول حُكِّمَ، ومعنى التحكيم القضاء والفصل بين الناس، أي: أن العادة هي المرجع للفصل عند النزاع، يرجع إليه متى؟ عند النزاع (في كل حكم) قد تنازع فيه المتنازعان ولم يَحُدَّ الشارع هذا الشيء. قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] المعاشرة ما جاء تفسيرها في الكتاب والسنة فكيف نفسرها؟ {عَاشِرُوهُنَّ} دل اللفظ على الأمر بها فهي واجبة، لكن هل فسرها الشارع؟ الجواب: لا، إنما ردهم إلا ما تعارفوه، فحينئذٍ ينظر في ما استقر عليه عمل الناس فيفسر به المعاشرة، وهكذا قوله عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] . {إِحْسَانًا} ما جاء مفسر بالكتاب والسنة، فحينئذٍ كيف نفسره نقول: هو واجب من جهة الكتاب والسنة، لكن ما تفسيره؟ نقول: يُرجع فيه إلى العادة والعرف. هذا المراد بقوله: (يُرجع إليه) يعني: للعرف والعادة في كل حكمٍ حكم الشارع به ولم يحده.
دليل القاعدة قوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] أي: ما يعرفه الناس ويعتادونه، قال السيوطي رحمه الله تعالى: قال ابن الفرس: معناه أقض بكل ما عرفته النفوس ولا يرده الشرع، وهذا أصل القاعدة الشرعية في اعتبار العرف وتحتها مسائل كثيرة لا تُحصى، وقد ذكر أهل التصنيف في القواعد: أن أصل القاعدة هو حديث:"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح". هذا لا يصح ولا أصل له، وإنما هو من قول ابن مسعور رضي الله عنه موقوفًا عليه. وحديث كذلك:""خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"". ردها إلى العرف. قال النووي في شرح مسلم:"في هذا الحديث فوائد". وذكر منها: اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديدٌ شرعي. إذًا العرف هو العادة يُرجع إليه في كل حُكْمٍ حَكَمَ الشارع به ولم يَحُدّه.
ثَمَّ شروط لإعتبار العرف ليس كل عرف لا بد من ضبطه.
شروط اعتبار العرف والعادة: