فحينئذٍ إذا انتفى واحد منها انتفى الإيمان، فلا ينفع الاعتقاد دون القول أليس كذلك؟ لو اعتقد ولم يقل لم يكن مؤمنًا موحدًا، ولا ينفع الاعتقاد والقول دون العمل بالجوارح، فإن اعتقد وقال بلسانه: لا إله إلا الله، ولم يعمل لم ينفعه ذلك، لا يكون موحدًا، نقيضه الكفر حينئذٍ الكفر كما أن الإيمان يكون بالاعتقاد يكون الكفر بالاعتقاد، وكما أن الإيمان ركنه الأقوال كذلك الكفر يكون بالقول، وكما أن الإيمان يدخل في مسماها أعمال الجوارح وأركان كذلك الكفر يكون بالجوارح والأركان، إذا الكفر نقيض الإيمان، فيفسر بنقيضه، فكما أن الإيمان مركب من ثلاثة أركان كذلك الكفر ثلاثة أنواع: كفرٌ يكون بالقلب بالاعتقاد - وهو تكذيبه -، وكفرٌ يكون باللسان ولو لم يعتقد ما قاله بلسانه فهو كافر فمن سب الله تعالى ولو لم يعتقد فهو مرتد، كذلك الكفر يكون عمليًا ولو لم يقل أو يعتقد، فمن سجد للصنم فهو كافر، ولو اعتقد أنه لا يجوز السجود للصنم، لماذا؟ لأن السجود هذا من عمل الجوارح وفعله إنما يكون لله عز وجل وهو عبادة محضة، وإنما كان تحية في شريعة من قبلنا، ثم نسخ ذلك في شريعتنا، فحينئذٍ لو سجد لصنم نقول: هذا يعتبر مرتدًا. ولو لم يعتقد لا يشترط فيه الاعتقاد. إذًا يجتمع فيه إيمان وكفرٌ يعني: خصال الإيمان وخصال الكفر، والمراد بخصال الكفر الكفر الأصغر، وخيرٌ وشر وموجبات التواب وموجبات العقاب، وذلك مقتضى النصوص، ومقتضى حكمة الله ورحمته وعدله. ... (ومن فروع هذا الأصل: الصلاة لا تصح حتى توجد) شروطها وأركانها وواجباتها (وتنتفي) موانعها وهي (مبطلاتها) كالكلام ونحوه التي ترجع إلى الإخلال بشيء مما يلزم فيها أو فعل منهي عنه فيها بخصوصها، يعني: لا يكون أمرًا عامًا، وهذا فيه تفصيل يأتي في مسألة النهي، يقتضي فساد المنهي عنه، المراد هنا أن الصلاة مركبة لا بد من واجبات وأركان وشرائع، ولا بد من انتفاء موانعه، حينئذٍ لا تتحقق الصلاة ولا توجد إلا بوجود شرائطها وأركان واجباتها وانتفاء موانعها، وكذلك الصيام لا بد من صحته، أو في صحته من وجود كل ما يلزم فيه، يعني: أنه يمسك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلا غروب الشمس، ومن انتفاء المفطرات وكذلك الحج والعمرة، يعني هذه عبادات مركبة، ومن ذلك المعاملات كالبيع والشراء والإجارة وجميع المعاوضات والتبرعات لا تصح وتنفذ إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها وهي مفسداتها، وكذلك المواريث والنكاح وغيرها، وشروط هذه الأشياء ومفسداتها مفصلٌ في كتب الفقه، يعني لا تذكر هنا، ولهذا إذا فسدت العبادة أو المعاملة أو غيرها من العقود والفسوخ فلا بد من أحد أمرين:
إما لفقد لازم من لوازمها.
أو لوجود مانع.
إما لفقد شرطٍ أو لوجود مانع، متى ما حكم على عبادة بأنها فاسدة ليست صحيحة فلا بد من فقد شرطٍ أو تمت لكن وجد مانع، وكذلك المعاملات والأنكحة لا يقال فيها بأنها فسدت أو بطلت إلا لانتفاء شرط أو وجود مانعٍ، إما إخلال للشيء من دعائمها وشروطها، وإما بوجود مانعٍ ينافيها ويفسدها، ومن تتبع ذلك وجده مطردًا غير منتقض.