رابعًا: ألا يخالف المضطر مبادئ الشريعة الإسلامية من حفظ حقوق الآخرين، وتحقيق العدل، وأداء الأمانات، ودفع الضرر، والحفاظ على أصول المعتقد، وكل ما خالف قواعد الشرع فلا أثر فيه للضرورة، ويدخل تحت هذا حلُّ السحر بالسحر.
خامسًا: أن يقتصر فيما يباح تناوله للضرورة على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر. يعني: الضرورة تقدر بقدرها. هذا المراد، ثم ليُعلم أن الاضطرار سبب لإباحة الفعل المحرم هذا واضح، إلا أنه لا يُسقط حقوق الآدميين وإن كان يُسقط حق الله تعالى ويرفع الإثم والمؤاخذة عن المضطر، فإن الضرورة لا تُبطل حقوق الآدمي. يعني: لا محرم مع الضرورة. المحرم هنا المتعلق بحق الله تعالى، أما المحرم المتعلق بحق بني آدم فلا، لأن حق الله تعالى مبناه على المسامحة، حق الله تعالى مبناه على المسامحة، وحق الآدمي مبناه على المشاحة، حينئذٍ لا بد من الاختصاص، فإن الضرورة لا تبطل حقوق الآدميين، ولهذا قيدت قاعدة [الضرورات تبيح المحظورات] بقاعدة أخرى [الاضطرار لا يبطل حق الغير] . ولذلك لو قيل له: سنقتلك وإلا اقتل زيدًا. ضرورة هذه هو مضطر إن لم يَقْتِلْ قُتِل، إذًا ستذهب روحه ونفسه وحفاظه على النفس من أصول الشريعة، كما مر معنا في الضروريات الخمسة، هل يجوز له أن يقول: أنا مضطر. فيقتل زيدًا؟
الجواب: لا، لماذا؟
لأنه هنا قدم شهوته وهواه على غيره إذ هو مثله. قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] . {مَا} هذه مصدرية ظرفية، فاتقوا الله مدة استطاعتكم {مَا} مصدرية ظرفية، أي: مدة استطاعتكم، مصدرية ظرفية، مصدرية لأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، وظرفية لأنها تضاف إلى المصدر وهو ثم، {مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] أي: مدة دوامي حيًّا مثلها، ليعمَّ الأزمان كلها، ويعمَّ الأحوال تبعًا لعموم الأزمان، ويعمّ الاستطاعات فلا يتخلوا عن التقوى في شيء من الأزمان، يعني: هذه الآية فيها عموم {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} مدة استطاعتكم في أي زمن؟ {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} في أي زمن؟
نعم في أي زمن، إذًا عمَّ الأزمان في أنواع الاستطاعات؟ نعم في أنواع الاستطاعات، في أنواع الأشخاص؟ نعم في أنواع الأشخاص. إذًا عمت الشيء الذي يقال بأنه يتعلق به التقوى من كل وجه، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فأمر بالتقوى بإقبال الاستطاعة وهي الطاقة.