نقول: استعمال الماء في الوضوء واجبٌ، ولم يجد ماءً يستعمله في جميع وضوئه، وإنما وجد بعض إذًا: وجد بعض الواجب، فقدر على استعماله لم تتعلق به حاجةٌ به أو بهيمته أو نحو لذلك، حينئذٍ نقول على الصحيح: يتعين عليه استعمال هذا الماء ثم يتيمم عن الباقي، لماذا؟ لأنه قدر على بعض الواجب وسقط ولم يقدر على الآخر فتعين عليه الإتيان بالبعض المقدور عليه، فالواجب هنا يتبعض، الواجب يتبعض لأنه يستفيد لو تمضمض واستنشق بماء على الأصل استفاد ولو غسل وجهه كذلك، فحينئذٍ نقول: لا نُسقط عنه استعمال الماء ابتداءً، وبعض قائم في الفطرة كذلك (ولا محرم مع الضرورة) لا نافيةٌ للجنس، يعني: نفي جنس التحريم مع الضرورة، فلا يوصف الشيء بكونه محرمًا إذا اضطر إليه، كما قلنا بالأمس: أن الميتة حرامٌ، فإذا اضطر إلى أكلها جاز له الأكل، وهو يأكل ما حكم أكله للميتة؟ حلال، كانت حرامًا فأباحها الله عز وجل، كانت نجسةً قبل أن يأكل منها حينئذٍ صارت طاهرةً، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، هذا هو الصحيح، وإن ذهب بعضهم إلى أنه محرمٌ عليه وهي نجسةٌ كأن الله تعالى أمره أن يأكل من شيءٍ نجس فهذا بعيد عن أصول الشرع، حينئذٍ نقول: الله عز وجل يفعل ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل، فحكم بكون الميتة نجسة وهي حرام ثم إذا اضطر إليه هذا النوع من بني الإنسان قد خصه الله تعالى بنوعٍ من التطهير للميتة ورفع الحكم المترتب على التنجيس وهو الإباحة، (ولا محرم مع الضرورة) نفيٌ لجنس التحريم مع حال الضرورة، فلا يوصف في هذا الحال بالتحريم كما هو الشأن فيما سبق، و (الضرورة) مأخوذة من الاضطرار، وهو الحاجة الشديدة والمشقة والشدة التي لا مدفع لها، ولها ضوابط لاعتبارها، الضرورة لها ضوابط لاعتبارها.
الأمر الأول في ضوابطها: أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة. يعني: موجودة حالّة، لا يبيح المحرم لضرورة مرتقبة لماذا؟ لأن الضرورة إنما تبيح المحظورات إذا وُجِدَتْ وقامت، وأما المظنون التي ستكون فيما بعد فلا، لا تكون مبيحة للمحرم أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، أي: يحصل في الواقع خوف الهلاك أو التلف على النفس أو المال، وذلك بغلبة الظن حسب التجارب، أو يتحقق المرء من وجود خطر حقيقي على إحدى الضروريات الخمس، إذًا أن تكون موجودة هذا المراد بها يعني: متحققة.
الثاني: أن لا يكون لدفع الضرر وسيلة أخرى من المباحات إلا المخالفات، يعني: إذا غُصَّ قال أهل العلم: إذا غُصَّ وعنده خمر جاز له أن يدفع الغُصّ بالخمر، لكن بشرط أن لا يوجد ماء، لو وجد ماء ووجد خمر حينئذٍ أخذ الخمر مضطر أم لا؟ نقول: لا، أنت صاحب هوى. لماذا؟ لأنه لا تباح له الضرورة إلا عند عدم الوسيلة المباحة، ولا يلجأ إلى المخالفات إلا عند عدم وجود الوسيلة المباحة، حينئذٍ نقول: هذا يستثنى. أن لا يكون لدفع الضرر وسيلة أخرى من المباحات إلا المخالفات، بأن يوجد في مكان لا يجد فيه إلا ما يحرم تناوله، كالمثال الذي ذكرناه.
ثالثًا: أن تكون الضرورة مُلْجِئَة بحيث يخشى تلف النفس والأعضاء، لم يقول: أضربك بسوطين أو ثلاث. فهذا ليس بضرورة وليس بمكره أصلًا.