أمر باتباع القياس حيث لا نص ولا إجماع فيه رد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول لأنه إلْحَاق واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد النص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص لتساوي الواقعتين في علة الحكم، فالآية تدل على اتباع هذه الأربعة. - إلى أن قال: -
وتوجد أدلة أخرى عدا الأدلة الأربعة لم يتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، بل منهم من استدل بها على الحكم الشرعي، ومنهم من أنكر الاستدلال بها. وأشهر هذه الأدلة المختلف في الاستدلال بها ستة: الاستحسان والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والعرف ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا. فجملة الأدلة الشرعية عشرة. أربعة متفق من جمهور المسلمين على الاستدلال بها، وستة مختلف في الاستدلال بها"اهـ [1] ."
قلت: ومما يتعلق بمعرفة الأدلة الشرعية ومراتبها ثلاثة أمور:
الأول: أن هذه الأدلة ترجع إلى أصلين، وهما الكتاب والسنة، ونصوصهما ينبغي أن تفهم كما فهمها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فإنهم أعلم بالمراد منها، فعليهم أنزلت، وفي هذا سد لباب التأويل والتلاعب بالأدلة الشرعية، وقد بَيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في"العقيدة الواسطية"وقال شارحها الشيخ محمد خليل هراس:"هذا بيان لمنهج أهل السنة والجماعة في استنباط الأحكام الدينية كلها أصولها وفروعها - بعد طريقتهم في مسائل الأصول - وهذا المنهج يقوم على أصول ثلاثة: أولها - كتاب الله عز وجل الذي هو خير الكلام وأصدقه، فهم لا يقدِّمون على كلام الله كلام أحد من الناس. وثانيها - سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أثر عنه من هَدْي وطريقة لا يقدِّمون على ذلك هَدْي أحد من الناس. وثالثها - ما وقع عليه إجماع الصدر الأول من هذه الأمة قبل التفرق والانتشار وظهور البدعة والمقالات، وما جاءهم بعد ذلك مما قاله الناس وذهبوا إليه من المقالات وزنوها بهذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع، فإن وافقها قَبِلوه وإن خالفها ردوه أيًا كان قائله. وهذا هو المنهج الوسط والصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه ولا يشقى من اتبعه، وسط بين من يتلاعب بالنصوص فيتأول الكتاب وينكر الأحاديث الصحيحة ولا يعبأ بإجماع السلف، وبَيْن من يَخْبط خَبْط عشواء فيتقبل كل رأي ويأخذ بكل قول لا يفرق في ذلك بين غث وسمين وصحيح وسقيم." [2] .
قلت: وكل من سلك غير مسلك السلف الصالح في فهم النصوص، لابد أن يحيد عن جادة الصواب، وقد أورد الشنقيطي رحمه الله أمثلة لهؤلاء ممن هداهم الله تعالى إلى منهج أهل السنة بعد أن حادوا عنه، منهم أبو الحسن الأشعري، والجويني والغزالي والفخر الرازي، فراجع كلامه في تفسير أضواء البيان [3] خاصة الأصول التي نقلها عن الغزالي [4] .
وعلوم اللغة العربية وأصول الفقه هي من الوسائل المؤدية إلى فهم النصوص كما فهمها الصحابة ومن بعدهم، ولذلك فقد اعتبر الشاطبي هذه الوسائل ضرورية
(1) علم أصول الفقه: ص21 - 22، ط دار القلم 1392هـ.
(2) طبعة الرئاسة العامة للبحوث العلمية: ص179 - 181 1402هـ.
(4) ص474.