و - ولكونها الشريعة الخاتمة الباقية فقد تكفل الله سبحانه بحفظها من التحريف والتبديل كما فعل اليهود والنصارى بدينهم، وذلك حتى تبقى حجةُ الله على خلقه قائمة صحيحة إلى يوم القيامة، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [1] ، وقال جل شأنه: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [2] ، فالشريعة محفوظة من التحريف لتظل الحجة قائمة على الناس إلى يوم القيامة، ومن مقتضى ذلك أن قيض الله تعالى لهذه الشريعة حَمَلَةً يقومون بها في الناس، كما قال رسول - صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» متفق عليه عن معاوية رضي الله عنهما.
قال الشاطبي:"إن هذه الشريعة المباركة معصومة، كما أن صاحبها - صلى الله عليه وسلم - معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة"ثم ساق الأدلة رحمه الله [3] .
2 -الأصل الثاني (اكتمال الشريعة) ، وهذا الأصل مترتب على الأصل الأول، لأنه إذا كانت هذه الشريعة عامة لجميع الخلق باقية إلى يوم القيامة فإن هذا يقتضي أن تكون هذه الشريعة مكتملة وافية بما يحتاجه الناس في حياتهم ومعادهم. ودليل هذا:
* قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [4] .
* وقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [5] .
* وروى البخاري عن طارق بن شهاب قال:"قال رجل من اليهود لعمر: يا أمير المؤمنين لو أنَّ علينا نزلت هذه الآية {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال عمر: إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية، نزلت يوم عرفة في يوم جمعة" [6] ، ورواه الترمذي عن ابن عباس وفيه:"فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة ويوم عرفة"، وقال ابن حجر:"لاتخذنا ذلك اليوم عيدا: أي لجعلناه عيدا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين" [7] .
* وقال الشاطبي رحمه الله:"قال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول: من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة لأن الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا} ". اهـ [8] .
* وقال الشاطبي رحمه الله:"إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوقوها في"
(1) سورة الحجر.
(2) سورة النساء.
(3) الموافقات: ج3/ ص58 وما بعدها، ط دار المعرفة 1395هـ._
(4) سورة المائدة.
(5) سورة النحل.
(6) حديث: 7268.
(7) فتح الباري: 1/ 105 وكذلك 8/ 270 و 13/ 246.
(8) الاعتصام للشاطبي: 2/ 18، ط دار المعرفة 1402هـ.