فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 36

-ثم قال ابن القيم - وأما قوله"الخامسة معرفة الناس"فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما علي الآخر، وإلا كان ما يُفسد أكثر مما يُصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر، له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمُحِق بصورة المُبْطِل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مَكْر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق" [1] ."

الصنف الثاني: الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا من مال أو منصب ونحوه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» رواه أحمد عن كعب بن مالك، وقد سبق شرحه، وقول ابن تيمية فيه، وقال ابن القيم رحمه الله:"كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلابد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولاسيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فإنهم لا تتم لهم أغراض إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق" [2] وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله:

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها؟ [3]

قلت: فتحذر من هذين الصنفين من أهل العلم، من انقطعت صلته بالواقع ومن آثر الدنيا، خاصة في المسائل المتعلقة بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكل ما فيه مساس بسلطان الطواغيت. وقد جمع ابن تيمية رحمه الله الصنفين في قوله:"والواجب: أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون أهل الدنيا الذي يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا" [4] .

6 -الأصل السادس:(رد وإبطال ما خالف الشريعة)وهذا مبني على الأصل الخامس وهو رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة فهو الحق الذي نقبله ونعمل به، وما خالفهما فهو مردود لا نعمل به ولا يترتب عليه أثر.

(1) إعلام الموقعين: 4/ 199 ثم 204 - 205.

(2) الفوائد لابن القيم: ص100.

(3) انظر إغاثة اللهفان لابن القيم: 1/ 382 ط 1407هـ.

(4) الاختيارات الفقهية: ص311، ط دار المعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت