فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 36

الكرخي من أئمة الأحناف (ت 340هـ) قال:"كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ" [1] .

ومن الصور القبيحة لتحكم الناس في الشريعة الإلهية - في زماننا هذا - استفتاء الشعب مباشرة أو عن طريق نوابه (بالبرلمان) حول تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك باسم الديمقراطية، وهذا معناه أن تطبيق شريعة الخالق رهن بإرادة المخلوقين، وأنهم مخيرون في السماح بتطبيقها أو عدمه، وهذا كفر أكبر صريح. قال شارح العقيدة الطحاوية في حال الحاكم بغير ما أنزل الله:"فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر" [2] .

ب - أنه لا أحد معصوم من هذه الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ أمر الله بالرد عند التنازع إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يأمر بالرد إلى رأي فلان أو قول فلان، فيعلم بذلك أنه لا عصمة في قول أحد بعد قول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وفي هذا إبطال لمسألة عصمة الأئمة عند الشيعة، وفي هذا أيضا إنكار ونقض للتعصب المذهبي عند مقلدة المذاهب، وقد قال أئمة هذه المذاهب:"كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"وهذا مروي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي وغيرهم وإن اختلفت عباراتهم. وقد قال الله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [3] .

قلت: والرد إلى الكتاب والسنة كثيرا ما يكون بالرجوع إلى العلماء العاملين بالكتاب والسنة. لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [4] ، وقوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [5] . وبمناسبة سؤال العلماء والرجوع إليهم فإني أحذر الإخوة المسلمين من صنفين من المنتسبين إلى العلم الشرعي:

الصنف الأول: العلماء الذين انكبوا على الكتب وانقطعت صلتهم بواقع الناس، قال ابن القيم رحمه الله:"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فَهْم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو علي لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر" [6] .

وقال رحمه الله:"ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال"لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس"."

(1) كتاب الحديث حجة بنفسه: ص88 نقلا عن الدر المختار: 1/ 45.

(2) شرح العقيدة الطحاوية: ص323 المكتب الإسلامي 1404هـ.

(3) سورة النساء.

(4) سورة النحل والأنبياء.

(5) سورة النساء.

(6) إعلام الموقعين: 1/ 87 - 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت