فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 36

وقال ابن قدامة في كتاب القضاء:"ولا يَنْقُض من حكم غيره إذا رفع إليه إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع ..." [1] .

ومما يندرج في هذا أحكام القضاة في البلدان التي تحكم بالقوانين الوضعية الكافرة - كما هو الحال في معظم بلدان المسلمين - فهذه الأحكام باطلة ومردودة لمخالفتها الشريعة والآثار المترتبة عليها باطلة، فالحقوق والمتملكات وغيرها مما يحصل عليه الناس بأحكام هذه القوانين كل هذا حرام لا يحل، وبمقتضى هذه القوانين فإن الناس يأكلون أموالهم بينهم بالباطل ويستحلون الحرام، وهذا من أنكر المنكرات التي سكت عنها جمهور المنتسبين إلى العلم اشرعي في هذا الزمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإذا كان حكم القاضي الحاكم بالشريعة لا يحل الأمر إذا كان في باطنه حراما، فكيف بمن لا يحكم بالشريعة ابتداء، روى البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إِلَيَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما اقطع له قطعة من لنار» [2] ، وفي رواية: «فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها» [3] ، أورده البخاري في كتاب الأحكام من صحيحه باب"من قُضِيَ له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا"وقال ابن حجر:"وفيه أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحِيَل حتى يصير حقا في الظاهر، ويُحْكَم له به أنه لا يحل تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم" [4] وقال ابن حجر:" «فإنما أقطع له قطعة من النار» أي إن أخذها مع علمه بأنها حرام عليه دخل النار" [5] .

7 -الأصل السابع: سد ذرائع الإحداث في الدين (الابتداع) ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور» ، والإحداث يكون بالزيادة أو بالنقص أو بالتبديل والتحريف، والمحدثة (البدعة) قد تكون فسقا أو كفرا بحسبها [6] .

روى البخاري عن ابن مسعود: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنا فرطكم على الحوض، ليُرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت لأنَاوِلَهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك" [7] . ورواه البخاري عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ:"إنك لا تدري ما بَدَّلوا بعدك، فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمن بَدَّل بعدي" [8] .

ورواه عن ابن عباس مرفوعا بلفظ:"ألا وإنه يُجَاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} ، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" [9] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «أصيحابي» هكذا لأكثر الرواة بصيغة التصغير، إشارة إلى قلة عدد من وقع لهم ذلك وهم بعض جفاة الأعراب.

أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث [10] في أول كتاب الفتن من صحيحه، إشارة منه - على عادته في تَراجِمِه - إلى أن الإحداث والتبديل في الدين من أعظم أسباب الفتن والردة بل هو أصلها، وهو كذلك قديما وحديثا، ومصداقه قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [11] ، ففي هذه الآية الفتنة عقوبة قدرية على مخالفة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحَيْدة عن أحكام شريعته والإحداث في الدين، كما قال تعالى: {فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} [12] .

ولهذا فقد أتت الشريعة بضوابط لسد ذرائع الإحداث والتبديل في الدين، ذكرها البخاري رحمه الله في كتاب"الاعتصام بالكتاب والسنة"من صحيحه، ومن ذلك: النهي عن البدع والتحذير منها، والنهي عن ترئيس الجهال ويقابله الحض على ترئيس العلماء، وذم الرأي الفاسد والقياس الفاسد، والنهي عن التشدد والتعمق في الدين، والنهي عن المراء والاختلاف، والنهي عن التشبه بأهل الكتاب والمشركين. وذِكْر أدلة هذه الضوابط كما يلي:

أ - النهي عن البدع والتحذير منها

* البدعة: ما أُحْدِثَ مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة. وهذا تعريف ابن رجب الحنبلي، وقال أيضا:"وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية" [13] .

* و «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» رواه اللالكائي عن ابن عمر [14] وقال الشيخ حافظ حكمي:"ثم اعلم أن البدع كلها مردودة ليس منها شيء مقبول، وكلها قبيحة ليس فيها حسن، وكلها ضلال ليس فيها هدي، وكلها أوزار ليس فيها أجر، وكلها باطل ليس فيها حق" [15] ، ومصداق هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» [16] . وبهذا تعلم أن تقسيم عز الدين بن عبد السلام رحمه الله البدعةَ إلى الأحكام الخمسة"الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام"هو تقسيم لا أصل له، فكيف يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة» ويقول العز إن هناك بدعة واجبة [17] . ولذلك قال الشاطبي:"إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي" [18] .

(1) المغني والشرح الكبير: ج11/ ص403.

(2) حديث: 6967.

(3) حديث:7181.

(4) فتح الباري: 13/ 174.

(5) فتح الباري: 12/ 339.

(6) الاعتصام للشاطبي: 2/ 36 - وما بعدها.

(7) حديث: 7049.

(8) حديث: 7051.

(9) حديث: 4625.

(10) حديث: 7049،7051.

(11) سورة النور.

(12) سورة المائدة.

(13) جامع العلوم والحكم، حديث: 28/ ص233.

(14) شرح اعتقاد أهل السنة: 1/ 92.

(15) معارج القبول:2/ 616، ط السلفية.

(16) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن العرباض بن سارية.

(17) فتح الباري: 13/ 254 و الاعتصام للشاطبي:1/ 188 وما بعدها.

(18) الاعتصام: 1/ 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت