فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 36

صحابته انقطع عن العبادة في وقت ما، وقال - صلى الله عليه وسلم: «إن أتقاكم وأعلملكم بالله أنا» رواه البخاري عن عائشة.

وهذه القاعدة (قاعدة الانقياد التام الكامل) هي ميزان الحكم على الناس، فالناس بر تقي أو فاجر شقي وبينهما مراتب، قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [1] وهذا هو الأصل الرابع.

5 -الأصل الخامس:(وجوب الرد إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عند التنازع والاختلاف)وهذا مبني على الأصل السابق فمن سلم بوجوب الانقياد التام الكامل لابد أن تعرض له آراء وأقوال متباينة، فكل ما فيه خلاف وجب رده إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

والدليل على هذا قول الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا} [2] ، وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [3] ، وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [4] .

قال ابن القيم:"ومنها أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه نفسه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته" [5] .

قلت: وآية النساء هذه {فإن تنازعتم} دليل آخر على اكتمال الشريعة، فقوله تعالى: {شيء} هي نكرة في سياق الشرط {فإن تنازعتم} فهي صيغة عموم، ومثلها آية الشورى، فقال ابن القيم رحمه الله:"أن قوله: {فإن تنازعتم في شيء} نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليه وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند التنازع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع" [6] .

قلت: ونستنتج من هذا الأصل: -

أ - أن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها، وهذه قُوَّتُها وحُجِّيَّتها [7] ، ومعنى هذا أن الشريعة حاكمة على أقوال الناس وأفعالهم بالصحة أو بالبطلان، وأنها حاكمة بينهم عند تنازعهم واختلافهم تحق الحق وتبطل الباطل، ويدخل في هذا كل اختلاف نشأ بين المسلمين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى من بعدهم [8] .

ومتعصبة المذاهب جعلوا النصوص محكوما عليها بأقوال أئمتهم، قال ابن القيم:"وأما المتعصبون فإنه عكسوا القضية، ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم منها قبلوه، وما خالفها تَحَّيلوا في رده أو رد دلالته" [9] ومن هذا قول أبي الحسن

(1) سورة الحجرات.

(2) سورة النساء.

(3) سورة الشورى.

(4) سورة النحل.

(5) إعلام الموقعين: 1/ 49.

(6) إعلام الموقعين: 1/ 49.

(7) انظر الموافقات للشاطبي: ج1/ ص78 و79، ج2/ ص275.

(8) انظر معارج القبول لحافظ حكمي: 2/ 623 و أضواء البيان للشنقيطي: ج7/ ص547.

(9) إعلام الموقعين: 1/ 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت