ودليل الأصل السادس: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ» متفق عليه عن عائشة، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ويدخل في هذا.
أ - البدع بمجملها، فكل بدعة ضلالة، منها ما هو فسق ومنها ما هو كفر بحسبها، وكلها حرام. ولمعرفة أنواعها يراجع كتاب [السنن والمبتدعات] للقشيري، وكتاب [الإبداع في مضار الابتداع] لعلي محفوظ، وقبلهما كتاب [الاعتصام] للشاطبي ونحوه.
ب - فتوى المفتي المخالفة للكتاب والسنة مردودة، قال البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه:"باب إذا اجتهد العامل - أو الحاكم - فأخطأ خلاف الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير علم فحكمه مردود لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» " [1] .
ومع ذلك فقد يكون هذا المفتي مأجورا رغم خطئه، وذلك إذا كان من أهل الاجتهاد وقد بذل ما في وسعه في فتواه لحديث عمرو بن العاص مرفوعا: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» رواه البخاري [2] ، ورغم كونه مأجورا فإنه لا يُعْمَل بما أفتى به خطأ.
ج - الأقوال المرجوحة في المذاهب الفقهية أيا كان قائلها طالما ثبت الدليل بخلافها، وهذا يدخل فيما قبله (ب) . ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله:"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"، وقال الشافعي رحمه الله:"كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي، وبعد موتي"، وعنه قال:"إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوا ما قلت". وفي هذا رد كاف على التعصب المذهبي بل إن التعصب المذهبي والقول بوجوب تقليد رجل بعينه أو مذهب بعينه في الدين هو في ذاته بدعة مردودة كما سيأتي التنبيه على ذلك.
د - ويدخل في هذا العقود والشروط والمصالحات التي تقع بين الناس، ما خالف الشريعة منها فهو مردود.
هـ - ويدخل في هذا خطأ القاضي في القضاء يُنْقَض ولا يُعْمَل بحكمه، قال البخاري في كتاب الأحكام من صحيحه"باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد"وذكر حديث بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى بني جذيمة [3] . وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما - في كتاب القضاء:"ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهُديِتَ فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ..." [4] .
(1) فتح الباري: 13/ 317.
(2) فتح الباري: 13/ 318.
(3) فتح الباري: 13/ 181.
(4) نقلا عن إعلام الموقعين لابن القيم: 1/ 86.