أعناقهم، ولم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كَمُلَ الدين بشهادة الله تعالى بذلك حيث قال: {اليوم أكملت لكم دينكم .. } الآية، فكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كَذَّبَ بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} - إلى أن قال - ولكن المراد كُلِّيَّاتها، فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بُينت غاية البيان، نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة فلابد من إعمالها ولا يسع تركها" [1] ."
* وروي البخاري عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت:"من حَدَّثك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} " [2] ، وفي رواية:"من حدثك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كَذَبَ، والله يقول {يا أيها الرسول ... } " [3] .
* وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم» [4] .
* وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بعثت بجوامع الكلم» وقال البخاري:"وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك" [5] . قلت: وحاصل ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - جُمِعَ له المعنى الكثير في اللفظ القليل، ويدخل فيه القرآن والسنة، فقد اختُصِرَ له الكلام اختصارا. وهذا يجعل الشريعة ميسرة الحفظ والنقل وهو مما اختصت به هذه الأمة كما قال تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [6] .
يستخلص من الأدلة السابقة:
1 -أن هذه الشريعة مكتملة وافية بما يحتاجه الخلق إلى يوم القيامة بما يصلح دنياهم وأخراهم.
2 -أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ هذه الشريعة بكمالها ولم يكتم منها شيئا.
3 -وأنه - صلى الله عليه وسلم - ما ترك خيرا إلا وأرشدنا إليه وما ترك شرا إلا وحذرنا منه.
يترتب على هذا الأصل الثاني اكتمال الشريعة أمور، منها:
أ - اكتمال الشريعة معناه أنها لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، وفي هذا إبطال لكافة أصناف البدع والمحدثات قديمها وحديثها [7] .
ب - اكتمال الشريعة وكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بَلَّغها كاملة معناه أنه لا يوجد في هذا الدين علم باطن خلاف الظاهر، أو حقيقة خلاف الشريعة، وفي هذا إبطال لكافة المذاهب والتأويلات الباطنية مما يذهب إليه الملاحدة من الإسماعيلية وبعض الصوفية وغيرهم، كمن يقول إن الصلاة ليست هي الركوع والسجود والقراءة بل
(1) الاعتصام للشاطبي: 2/ 304، 305 وانظر إعلام الموقعين: ج1/ 332 - 334 و الموافقات: 2/ 79.
(2) حديث: 7531.
(3) حديث: 4612.
(4) ج12/ 233.
(5) فتح الباري: 12/ 401.
(6) سورة العنكبوت.
(7) الاعتصام للشاطبي: 1/ 48.