فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 36

شيء آخر، وأن الجنة والنار ما هى إلا رموز، وهكذا سائر الشريعة، قال ابن تيمية رحمه الله:"فإن هذا العلم الباطن الذي ادعوه هو كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى، بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضا، فإن مضمونه أن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين في الأوامر والنواهي والأخبار" [1] .

ج - اكتمال الشريعة وكمالها يعني تنزيهها عن التناقض والتضارب، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [2] ، وقال تعالى: {وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [3] . وقد ترد بعض النصوص متعارضة في الظاهر، وهذه يفسرها أهل العلم بتنزيل كل نص منزله، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» رواه أحمد والبغوي عن عبد الله بن عمرو، وصححه الألباني في شرح العقيدة الطحاوية، وقد ذكر أحمد بن حنبل رحمه الله طائفة من النصوص التي ظاهرها التعارض وبين كيفية توجيهها في كتابه"الرد على الزنادقة والجهمية"، وكذلك فعل الشاطبي في أواخر الجزء الثاني من كتابه"الاعتصام"، وفي كتب أصول الفقه تجد بابا مستقلا في"تعارض الأدلة الشرعية".

د - اكتمال الشريعة معناه أنه ما من أمر إلا وللشريعة فيه حكم بالأمر أو النهي أو بالإباحة، وقد يكون حكم هذا الأمر مفصلا أو مندرجا تحت قاعدة كلية، والجهل بالحكم لا يعني عدم اكتمال الشريعة، بل يعني أن الباحث عن هذا الحكم عجز عن التوصل إليه فينبغي عليه أن يسأل من هو أعلم منه.

هـ - اكتمال الشريعة معناه استغناؤها عما عداها من الديانات السابقة المنسوخة أو الأوضاع البشرية كالقوانين الوضعية ونحوها، فمن ادعى أن المسلمين بحاجة إلى شيء من هذه القوانين فهو كافر بالله العظيم لتكذيبه بقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} وبقوله تعالى: {وما كان ربك نسيا} [4] . ومثله في الكفر من ادعى حاجة المسلمين إلى الديمقراطية أو الاشتراكية أو غيرها من المذاهب الكفرية التي عاش المسلمون أربعة عشر قرنا في غناء عنها، وقامت فيهم خلافة النبوة ثم الممالك الإسلامية العظيمة مستغنية عن هذه المذاهب الكفرية وبمعزل عنها، وكان الخلفاء يسوسون بلادا ممتدة من غرب الصين إلى الأندلس تضم شعوبا شتى وأجناسا مختلفة، ويحكمونهم بشرع الله تعالى، ويقلدون الولاة والعمال والقضاة والجباة والمحتسبين [5] ، ويجبون الأموال وينفقونها على مقتضى الشرع [6] ، ولم يقل أحد لا سياسة ولا اقتصاد في أحكام الشرع، أو أن أحكام الشرع لا تفي بهذه الأمور، من قال هذا فقد انتقص الشريعة الكاملة وهذا كفر. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر،

(1) مجموع الفتاوى: 35/ 132.

(2) سورة النساء.

(3) سورة فصلت.

(4) سورة مريم.

(5) انظر الأحكام السلطانية للماوردي ولأبي يعلى.

(6) انظر الخراج لأبي يوسف، والخراج ليحيى بن آدم والأموال لأبي عبيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت