فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 36

ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى - إلى أن قال - وقال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين} فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحي إليه العمل بها وأمَرَ الأمة بها وبين اتِّباع أهواء الذين لا يعلمون، فأَمَر بالأول، ونهى عن الثاني" [1] ."

قلت: ونحن لا نحقر من شأن العقل، فهو مناط التكليف، وقد أثنى الله سبحانه على أولي الألباب في ست عشرة آية، وذم سبحانه الذين لا يعقلون، ووصف سبحانه أصحاب النار بأنهم {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [2] ، فنحن لا نحقر العقل، ولكن نقول إن العقل لا يقدم على الشرع وإلا لاستغنى الخلق عن الرسل، ونقول إن العقل يعمل داخل دائرة الشرع، قال تعالى: {فبشر عبادِ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب} [3] ، فهؤلاء استمعوا ثم أَعْمَلُوا عقولهم فاتبعوا، وذلك بفضل الله وتوفيقه {أولئك الذين هداهم الله} لا بفضل عقولهم، دفعا للعجب.

ج - معرفة مراتب الأدلة الشرعية: حرمة التقديم بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تقتضي معرفة مراتب الأدلة الشرعية التي يستدل بها على الأحكام حتى لا يقدم دليل أدنى على دليل أعلى في القوة والحُجِّية، فإن هذا حرام لأنه يدخل في التقديم بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. ومن هنا قال العلماء لا اجتهاد مع النص.

والأدلة الشرعية هي كما قال الشيخ عبد الوهاب خلاف:"الأدلة الشرعية بالإجمال: ثبت بالاستقراء أن الأدلة الشرعية التي تستفاد منها الأحكام العملية ترجع إلى أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه الأدلة الأربعة اتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، واتفقوا أيضا على أنها مرتبة في الاستدلال بها هذا الترتيب: القرآن، فالسنة، فالإجماع، فالقياس. أي أنه إذا عرضت واقعة، نظر أولا في القرآن، فإن وجد فيه حكمها أُمْضِيَ، وإن لم يوجد فيه حكمها، نظر في السنة، فإن وجد فيها حكمها أمضي، وإن لم يوجد فيها حكمها نظر هل أجمع المجتهدون في عصر من العصور على حكم فيها، فإن وجد أمضى، وإن لم يوجد اجتهد في الوصول إلى حكمها بقياسها على ما ورد النص بحكمه."

أما البرهان على الاستدلال بها فهو قوله تعالى في سورة النساء: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} .

فالأمر بإطاعة الله وإطاعة رسوله، أمر باتباع القرآن والسنة، والأمر بإطاعة أولي الأمر من المسلمين أمر باتباع ما اتفقت عليه كلمة المجتهدين من الأحكام لأنهم أولوا الأمر التشريعي من المسلمين، والأمر برد الوقائع المتنازع فيها إلى الله والرسول

(1) إعلام الموقعين: 1/ 47.

(2) سورة تبارك.

(3) سورة الزمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت